الكاتب: أحمد بن تيمية
-----------------
<span class="footnote">
مسألة صفات الله تعالى
وعلوه على خلقه بين النفي والإثبات
جواب سؤال رفع إلى شيخ الإسلام
تقي الدين أحمد بن تيمية [1]
رحمه الله تعالى
(والقسم الرابع) شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينه فلا هو مع
الشريعة الأمرية ولا مع القدر الكوني، وانقسامهم إلى هذه الأقسام هو فيما يكون
قبل القدر من توكل واستعانة ونحو ذلك، وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك
فهم في التقوى وهي طاعة الأمر الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني
أربعة أقسام.
(أحدها) أهل التقوى والصبر، وهم الذين أنعم الله عليهم - أهل السعادة
في الدنيا والآخرة -.
(والثاني) الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين يمتثلون ما عليهم
من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات، لكن إذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض
ونحوه أو في ماله أو في عرضه أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه.
(والثالث) قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون
على ما يصيبهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على آلامهم في
مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام، والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون
على ذلك في طلب ما يجعل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها، وكذلك طلاب
الرياسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر
عليها كثير من الناس، وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم
يصبرون في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والألم. وهؤلاء هم
الذين يريدون علوا في الأرض وفسادا من طلاب الرياسة والعلو على الخلق،
ومن طلاب الأموال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة
وغير ذلك يصبرون على أنواع من المكروهات، ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من
المأمور وفعلوه من المحظور، وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من
المصائب كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى إذا قدر.
وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام: لا يتقون إذا قدروا ولا يصبرون إذا ابتلوا
بل هم كما قال الله تعالى {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا
مسه الخير منوعا} (المعارج: 19-21) فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم
إذا قدروا، ومن أذل الناس وأجزعهم إذا قهروا، إن قهرتهم ذلوا لك ونافقوك
وحبوك واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل
وتعظيم المسئول، وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا وأقلهم رحمة
وإحسانا وعفوا، كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقايق الإيمان أبعد
مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم وإن كان
متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار
بالحقائق، فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها لهم من هذا
الوجه، وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما
يظهرونه منه؛ بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو
أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار، في
الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يقول في خطبته (خير الكلام
كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل
بدعة ضلالة) وإذ كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد - صلى الله
عليه وسلم - فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب وهو
به أحق، ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه أضعف كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق،
والكامل هو من كان لله أطوع، وعلى ما يصيبه أصبر، فكلما كان أتبع لما يأمر
الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه، وصبر على ما قدره وقضاه
كان أكمل وأفضل، وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك، وقد
ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من كتابه، وبين أنه ينتصر
به العبد على عدوه من الكفار والمحاربين والمعاهدين والمنافقين وعلى من ظلمه من
المسلمين، ولصاحبه تكون العاقبة، قال الله تعالى {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم
من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} (آل عمران:
125) . وقال الله تعالى {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا
الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من
عزم الأمور} (آل عمران: 186) . وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا
بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما
تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * ها أنتم أولاء تحبونهم ولا
يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل
من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور * إن تمسسكم حسنة تسؤهم
وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما
يعملون محيط} (آل عمران: 118-120) وقال إخوة يوسف له {أئنك لأنت
يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا
يضيع أجر المحسنين} (يوسف: 90) وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما
وخصوصا فقال تعالى {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير
الحاكمين} (يونس: 109) وفي اتباع ما أوحي إليه التقوى كلها تصديقا لخبر الله
وطاعة لأمره، وقال تعالى {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن
الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين * واصبر فإن الله لا يضيع أجر
المحسنين} (هود: 114-115) وقال تعالى {فاصبر إن وعد الله حق
واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار} (غافر: 55) . وقال تعالى
{فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء
الليل} (طه: 130) . وقال تعالى {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا
على الخاشعين} (البقرة: 45) . وقال تعالى {استعينوا بالصبر والصلاة إن
الله مع الصابرين} (البقرة: 153) . فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر
وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى {وتواصوا بالصبر وتواصوا
بالمرحمة} (البلد: 17) وفي الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها. فإن
القسمة أيضا رباعية؛ إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة، ومنهم
من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن،
ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع، والمحمود هو الذي يصبر
ويرحم كما قال الفقهاء في صفة المتولي: ينبغي أن يكون قويا من غير عنف، لينا
من غير ضعف، فبصبره يقوى وبلينه يرحم، وبالصبر ينصر العبد، فإن النصر مع
الصبر وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما
يرحم الله من عباده الرحماء) وقال: (من لم يرحم لا يرحم) ، وقال: (لا تنزع
الرحمة إلا من شقي، الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم
من في السماء) والله أعلم. انتهى.
***
بسم الله الرحمن الرحيم
فصل
في شروط عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي شرطها على أهل الذمة لما
قدم الشام وشارطهم بمحضر من المهاجرين والأنصار، وعليها العمل عند أئمة
المسلمين لقوله - صلى الله عليه وسلم - (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من
بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة
بدعة وكل بدعة ضلالة) وقوله صلى الله عليه وسلم (اقتدوا باللذين من بعدي أبي
بكر وعمر) لأن هذا صار إجماعا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
الذين لا يجتمعون على ضلالة على ما نقلوه وفهموه، من كتاب الله وسنة رسوله،
وهذه الشروط مروية من وجوه مختصرة ومبسوطة.
منها ما رواه سفيان الثوري عن مسروق بن عبد الرحمن بن عتبة قال: كتب
عمر حين صالح نصارى الشام كتابا وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدنهم ولا ما
حولها ديرا ولا صومعة ولا كنيسة ولا قلاية لراهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا
يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعموهم، ولا يؤوا جاسوسا
ولا يكتموا غش المسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركا ولا يمنعوا
ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من
مجالسهم إن أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم من قلنسوة
ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجا ولا يتقلدوا
سيفا ولا يتخذوا شيئا من سلاح ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمور،
وأن يجزوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على
أوساطهم، ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين ولا
يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيا ولا يرفعوا
أصواتهم بقراءتهم في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين،
ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما
جرت عليه سهام المسلمين، فإن خالفوا شيئا مما اشترط عليهم فلا ذمة لهم، وقد
حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.
وأما يرويه بعض العامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من آذى
ذميا فقد آذاني) فهذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يروه أحد من
أهل العلم، وكيف ذلك؟ وأذاهم قد يكون بحق وقد يكون بغير حق بل قد قال الله تعالى ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا﴾ (الأحزاب: 58)
فكيف يحرم أذى الكفار مطلقا وأي ذنب أعظم من الكفر؟ ولكن في سنن أبي داود
عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لم يأذن لكم
أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب أبشارهم، ولا أكل ثمارهم
إذا أعطوكم الذي عليهم) وكان عمر بن الخطاب يقول: أذلوهم ولا تظلموهم.
وعن صفوان بن سليم عن عدة أبناء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا من ظلم معاهدا أو
انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم
القيامة) وفي سنن أبي داود عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس
قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على مسلم جزية، ولا تصلح قبلتان بأرض) وهذه من الشروط قد ذكرها أئمة العلماء من أهل المذاهب المتنوعة
وغيرها في كتبهم واعتمدوها فقد ذكروا أن على الإمام أن يلزم أهل الذمة
بالتمييز عن المسلمين في لباسهم وشعورهم وكتبهم وركوبهم، بأن يلبسوا ثوبا
يخالف ثياب المسلمين كالعسلي والأزرق والأصفر، والأدكن ويشدوا الخرق في
قلانسهم وعمائمهم والزنانير فوق ثيابهم، وقد أطلق طائفة من العلماء أنهم
يؤخذون باللبس وشد الزنانير جميعا، ومنهم من قال: هذا يجب إذا شرط عليهم، وقد
تقدم اشتراط عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك عليهم جميعا حيث قال: ولا
يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوه ولا غيرها من عمامة ولا نعلين
إلى أن قال: ويلزمهم بذلك حيثما كانوا ويشدوا الزنانير على أوساطهم.
وهذه الشروط يجددها عليهم من يوفقه الله تعالى من ولاة أمور المسلمين كما
جدد عمر بن عبد العزيز في خلافته وبالغ في اتباع سنة عمر بن الخطاب حيث
كان من العلم والعدل والقيام بالكتاب والسنة بمنزلة ميزه الله بها عن غيره من الأئمة
وجددها هارون الرشيد وجعفر المتوكل وغيرهما وأمروا بهدم الكنائس التي ينبغي
هدمها كالكنائس التي بالديار المصرية كلها ففي وجوب هدمها قولان ولا نزاع في
جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت ولو أقرت بأيديهم لكونهم أهل الوطن كما
أقرهم المسلمون على كنائس بالشام ومصر ثم ظهرت شعائر المسلمين فيما بعد في
تلك البقعة بحيث بنيت فيها المساجد فلا يجتمع شعائر الكفر مع شعائر الإسلام
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يجتمع قبلتان بأرض) ولهذا شرط عليهم
عمر والمسلمون أن لا يظهروا شعائر دينهم.
وأيضا فلا نزاع بين المسلمين أن أرض المسلمين لا يجوز أن تحبس على
الديارات والصوامع، ولا يصح الوقف عليها بل لو وقفها ذمي وتحاكم إلينا لم يحكم
بصحة الوقف فكيف نحبس أموال المسلمين على معابد الكفار التي يشرك فيها
بالرحمن ويسب الله ورسوله فيها أقبح سب؟ وكان من سبب إحداث هذه الكنائس
وهذه الأحباس عليها شيئان أحدهما أن بني عبيد الله القداح الذين كان ظاهرهم
الرفض وباطنهم النفاق يستوزرون تارة يهوديا وتارة نصرانيا واجتلب ذلك
النصراني خلقا كثيرا وبنى كنائس كثيرة.
والثاني استيلاء الكتاب من النصارى على أموال المسلمين فيدلسون فيها على
المسلمين ما يشاءون والله أعلم. قاله أحمد بن تيمية.
بسم الله الرحمن الرحيم
مسألة فيمن يفعل من المسلمين مثل طعام النصارى في النيروز ويفعل سائر
المواسم مثل الغطاس، والميلاد، وخميس العدس، وسبت النور، ومن يبيعهم شيئا
يستعينون به على أعيادهم، أيجوز للمسلمين أن يفعلوا شيئا من ذلك أم لا؟
الجواب:
الحمد لله، لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا
من طعام، ولا من لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة
أو عبادة أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على
ذلك لأجل ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار
زينة. وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم
عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصه،
وأما إذا أصابه المسلمون قصدا فقد كره ذلك طوائف من السلف والخلف، وأما
تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى
كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها من تعظيم شعائر الكفر. وقال طائفة منهم من
ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيرا وقال عبد الله بن عمرو بن العاص من
تأسى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو
كذلك، حشر معهم يوم القيامة.
وفي سنن أبي داود عن ثابت بن الضحاك قال: (نذر رجل على عهد رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينحر إبلا ببوانة فأتى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: إني نذرت أن أنحر إيلا ببوانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان
فيها من وثن يعبد من دون الله من أوثان الجاهلية؟ قال: لا، قال: فهل كان فيها
عيد من أعيادهم؟ قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه
لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم) . فلم يأذن النبي صلى الله عليه
وسلم أن يوفي بنذره مع أن الأصل في الوفاء أن يكون واجبا حتى أخبره أنه لم يكن
بها عيد من أعياد الكفار وقال: (لا وفاء لنذر في معصية الله) فإذا كان الذبح
بمكان كان فيه عيدهم معصية فكيف بمشاركتهم في نفس العيد؟ بل قد شرط عليهم
أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز والصحابة وسائر أئمة المسلمين أن لا يظهروا
أعيادهم في دار المسلمين وإنما يعملونه سرا في مساكنهم، فكيف إذا أظهرها
المسلمون؟ حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تتعلموا رطانة الأعاجم
ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخط ينزل عليهم، إذا كان
الداخل لفرجة أو غيرها نهي عن ذلك؛ لأن السخط ينزل عليهم فكيف بمن يفعل ما
يسخط الله به عليهم مما هي من شعائر دينهم؟ وقد قال غير واحد من السلف في
قوله تعالى ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ (الفرقان: 72) قالوا: أعياد الكفار فإذا
كان هذا في شهودها من غير فعل فكيف بالأفعال التي هي من خصائصها؟
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسند والسنن أنه قال: (من
تشبه بقوم فهو منهم) وفي لفظ (ليس منا من تشبه بغيرنا) وهو حديث جيد فإذا
كان هذا في التشبه بهم وإن كان في العادات، فكيف التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك.
وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه لأعيادهم
وقرابينهم إدخالا له فيما أهل به لغير الله وما ذبح على النصب، كذلك نهوا عن
معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة وقالوا: إنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا
للنصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما، ولا دما ولا ثوبا، ولا يعارون دابة ولا
يعاونون على شيء من دينهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم،
وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك؛ لأن الله تعالى يقول {وتعاونوا على
البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (المائدة: 2) ثم إن المسلم لا يحل
له أن يعينهم على شرب الخمور بعصرها أو نحو ذلك فكيف على ما هو من شعائر
الكفر، وإذا كان لا يحل له أن يعينهم هو، فكيف إذا كان هو الفاعل لذلك.
والله أعلم.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... قاله
... ... ... ... ... ... ... ... ... أحمد بن تيمية
تمت
-----------------
<span class="footnote">
(1) تابع لما نشر في العدد الماضي ص 106.</span></span>