الإسلامي بغرضه الشريف، وليحتاط لبهتان الشريف علي، ويتقي اتهامه بضرب
المدينة أو حرمها المنيع لو دخلها فاتحا، بل يستحل علي وقواده فعل ذلك؛ ليتهموا
الوهابيين به، كما فعل والده إذ أمر بضرب الكعبة المشرفة بالنار، واتهم بذلك
الترك عندما قاتلهم بمكة.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) نقل عن العدد 30 من جريدة أم القرى التي تصدر بمكة المكرمة.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
أسرار البلاغة أو فلسفة البيان
تكلم بعض البلغاء من علماء العربية في طرق البيان وبلاغة الكلام وفصاحته
كلاما إجماليا، حتى جاء الشيخ عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس، فوضع
القواعد والأصول لعلم البيان؛ بكتابه أسرار البلاغة ولعلم المعاني؛ بكتابه دلائل
الإعجاز، وسلك فيها مسلك الفلسفة العقلية وعلم النفس، فعلمنا من كتابيه أن
البلاغة عبارة عن إصابة موقع الإقناع من العقل، والتأثير من القلب، فإنه يثبت لك
بلاغة الكلام؛ بإرجاعك فيه إلى ما تجده في نفسك من تأثيره وروعته والارتياح
له، والتفرقة بينه وبين ما يؤدي معناه من غير البليغ، ويشرح لك ذلك حتى يقنع
به جنانك، ويطمئن به وجدانك، بعبارة فصيحة هي أظهر مصداق لقواعده ومثال
لفلسفته، فهو يفيدك العلم والعمل معا بعبارته وأسلوبه.
ثم إن الذين أخذوا عنه هذا العلم زادوا عليه في القواعد والأحكام، وحكوه
فيما وضعوه من الحدود والرسوم لبلاغة الكلام، ولكن فاتتهم فلسفته، وعدتهم
بلاغة عبارته، فكانوا كما قال الشاعر: (لقد حكيت ولكن فاتك الشنب) ، فإنهم
جعلوا أحكام البيان مواضعات اصطلاحية، لأشكال التراكيب اللفظية، لا مرجع
لها من علم النفس، ولا مستند لها من حكم العقل، ولا من وجدان النفس، ككون
التمثيل - الاستعارة التمثيلية - عبارة عن تشبيه هيئة بهيئة تناسبها، كجملة ما لي
أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى. وأما كون التمثيل أعلى مراتب البيان، وأبلغ ما
يفضل به الكلام الكلام، وسبب هذا وسره؛ فهو ما لم يعرضوا له، ولم يتبعوا
إمامهم في البحث عنه، ولا في سائر خصائص محاسن الكلام من التشبيه بأنواعه
الأخرى من صريح واستعارة، والتعريض والكناية، فكانت قواعد البلاغة وأحكام
البيان عندهم اصطلاحات لفظية جافة، تؤخذ بالإيمان والتسليم كأنها أخبار
الرسل - عليهم السلام - من عالم الغيب، وتطبق على كل قول، وإن كان له
من السخف أوفر نصيب.
لهذا لم تعد كتب علوم البلاغة تفيد قارئها البلاغة، ولا تساعده عليها، بل ربما
صارت صادة له عنها، وحائلة دونها، فكأين من مدارس قرأ أدق كتبها كشرحي
السعد للتلخيص مرارا مع حواشيها الطويلة العريضة، وكان بعد ذلك كله
عاجزا عن فهم كلام البلغاء، ووجه تفضيله على غيره، دع عجزه عن ارتجال
خطبة أو نظم قصيدة، أو كتابة رسالة، مما يصح أن يوصف بالبلاغة، إلا أن
يكون من وصف الجاهل الفاقد الذوق لكلامه أو كلام أمثاله بما يراه في مرآته أو من
التحكم في تطبيق كل كلام على تلك القواعد الاصطلاحية، التي لا يعرفون لها مدركا
علميا ولا نفسيا، كتشبيه حسن فهمي أفندي أحد مشايخ الإسلام في الدولة
العثمانية للخد بالسفرجل تقليدا لمن شبهوه بالتفاح بقوله:
وقلبي هام في خد سفرجل ...
وكقوله:
حمد البلابل في الأغصان سبحان ... لذاك جاد على الناطور بستان
اقتبس علماء البيان الأولون من عبد القاهر كالسكاكي والخطيب، ثم فقد
كتاباه، ونسي ذكرهما مدة بضعة قرون؛ حتى إن بعض من ترجمه من
المؤرخين لم يذكرهما له، وأعيا طلبهما بعض كبار أمراء العلم والحكم: كالإمام
يحيى اليمني صاحب كتاب (الطراز في علوم الإعجاز) ، حتى هدانا الله تعالى إلى
بعث بعض نسخهما من مقابر خزانات الكتب الخاصة في هذا القرن، فطبعناهما،
وأحياهما شيخنا الأستاذ الإمام بتدريسهما في الجامع الأزهر؛ فكان ذلك سببا