الصحة
تأليف زعيم الهندوس الأكبر مهاتما غاندي
ترجمة الأستاذ الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي
الباب الثاني
الجسم الإنساني
الكون مركب من خمسة عناصر: التراب والماء والهواء والنار والأثير [1]
وكذلك الجسم الإنساني الذي هو مثال مصغر للكون؛ ولذلك يحتاج الجسم إلى قدر
متناسب من جميع هذه العناصر: التراب النقي، والماء النقي، والنار أو النور
النقي، والهواء النقي، والمكان الطلق، فإن حصل نقص أو زيادة في القدر
الضروري من هذه الأشياء فالمرض واقع لا محالة.
الجسم مكون من الجلد والعظام والدم واللحم، فالعظام هي التي تكون الهيكل
الجسدي، إذ لولاها لما أمكننا أن ننتصب أو نتحرك أو نمشي، وهي التي تحمي
الأجزاء اللينة الرخوة من الجسم، فالجمجمة تحمي الدماغ، والأضلاع تحمي القلب
والرئتين، وقد أحصى الأطباء العظام في الجسم الإنساني فوجدوها تبلغ 238
عظما. إن ظاهر العظام كما لا يخفى صلب، وباطنها رخو مجوف، وهي متصلة
بعضها ببعض بطلية من النخاع التي يصح أن نعتبرها عظاما رخوة.
والأسنان كذلك تعد من العظام، وتظهر اللبنية منها في الطفولية ثم تسقط
وتخلفها الأسنان الثابتة التي إذا سقطت لا تحل محلها أسنان جديدة. تنبت الأسنان
اللبنية في فم الطفل من ستة إلى ثمانية أشهر من عمره غالبا، ولا تزال تنبت إلى
أن يبلغ من العمر سنتين أو سنتين ونصف سنة، وأما الأسنان الثابتة فتنبت من
السنة الخامسة حتى تستكمل بين سبع عشرة وخمس وعشرين سنة من العمر، وأما
الأضراس فتظهر بعد جميع الأسنان.
نجد اللحم في بعض الأماكن من الجسم صلبا مطاطا، هذه هي الأعصاب،
وهي التي تسهل لنا بسط أيدينا وقبضها، وتحريك فكينا، وتغميض عيوننا، ثم
هي التي تؤدي لها أعضاؤنا الحساسة وظائفها.
إن البحث التام في الهيكل الجسدي ليس من أغراض هذا الكتاب، ثم إن
الكاتب نفسه ليس على علم تام به حتى يوفي البحث حقه، ولذلك نقتصر هنا على
البحث في الأعضاء الرئيسية من الجسم.
إن أهم أجزاء البدن المعدة، فإنها لو وقفت عن عملها ولو دقيقة من الزمن
فسرعان ما يتداعى الجسم كله، إن وظيفة المعدة إنضاج الطعام وهضمه وتهيئة
الغذاء للجسم، فالعلاقة بينها وبين الجسم كعلاقة القاطرة بالقطار، ولكن الحمل الذي
نحمله عليها عادة أثقل من أن يتحمله أقوى حيوان ضار، إن العصارة المعدية التي
تتولد في المعدة تساعد على هضم الأجزاء المغذية من الطعام، وتفرز الحثالة من
طريق الأمعاء في شكل البول والبراز، ويوجد في الجنب الأيسر من الجوف
البطني الطحال، وفي الأيمن منه المعدة والكبد الذي وظيفته تنظيف الدم وإفراز
الصفراء التي هي نافعة جدا للهضم.
يوجد في الجوف الذي تحيط به الأضلاع القلب والرئتان، ومكان القلب بين
الرئتين، ولكنه مائل إلى اليسار أكثر منه إلى اليمين، وعظام الصدر كلها 24
عظما، وضربات القلب يمكن الحس بها بين الضلع الخامس والسادس، والرئتان
متصلتان بالقصبة الهوائية، فالهواء الذي نستنشقه يصل إلى الرئتين من طريق هذه
القصبة الهوائية، وهو الذي ينظف الدم، إن من الضروري جدا التنفس من
المناخر لا من الفم؛ لكي يصل الهواء من طريق المناخر إلى الرئتين ساخنا، ولكن
كثيرا من الناس يجهلون ذلك فيتنفسون بالفم فيتضررون به ضررا بليغا، إن الفم
للأكل والشرب لا للتنفس الذي هو وظيفة الأنف.
يتوقف جميع أعمال الجسم ونشاطه على دورة الدم؛ لأنه هو الذي يهيئ
الغذاء للجسم، وينتقي الأجزاء المغذية من الطعام، ويفرز الفضلات من طريق
الأمعاء، وهكذا يحافظ على جرارة الجسم، لا يزال الدم في دورة وجريان في سائر
الجسم من طريق العروق والشرايين، وضربات النبض إنما هي نتيجة لدورة الدم.
إن نبض الشاب اليافع الصحيح الاعتيادي يبلغ نحوا من 75 مرة في الدقيقة،
ونبض الأطفال أسرع من هذا، كما أن ضربات نبض الشيوخ بطيئة.