تنبيه مهم
يظن الكماليون أنهم بارتدادهم عن الإسلام يعاملهم الأوربيون كأنفسهم،
وسيعلمون أنهم إنما يكرهون منهم الإسلام؛ لأنه قوة لهم، ولن يعاملوهم معاملة الأكفاء
وإن تنصروا كما يريد بعضهم. ولكن ماذا يطلب اللادينيون في مصر وسورية من
تقليد الترك فيما يفعلون؟ أيظنون كما يظن الكماليون؟ أم لا يدرون مغبة ما
يصنعون؟
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
أسرار البلاغة أو فلسفة البيان
(تابع لما نشر بالجزء السادس)
وإذا كان هذا ثابتا موجودا، ومعلوما معهودا، من حال الصور المصنوعة،
والأشكال المؤلفة، فاعلم أنها القضية في التمثيل واعمل عليها، واعتقد صحة ما
ذكرت لك من أخذ الشبه للشيء مما يخالفه في الجنس، وينفصل عنه من حيث
ظاهر الحال، حتى يكون [1] هذا شخصيا يملأ المكان، وذاك معنى لا يتعدى
الأفهام والأذهان، وحتى إن هذا إنسان يعقل، وذاك جماد أو موات لا يتصف بأنه
يعلم أو يجهل، وهذا نور شمس يبدو في السماء ويطلع، وذاك معنى كلام يوعى
ويسمع، وهذا روح يحيا به الجسد، وذاك فضل ومكرمة تؤثر وتحمد، كما قال:
إن المكارم أرواح يكون لها ... آل المهلب دون الناس أجسادا
وهذا مقال متعصب منكر للفضل حسود، وذاك نار تلتهب في عود، وهذا
مخلاف، وذاك ورق خلاف [2] كما قال ابن الرومي:
بذل الوعد للأخلاء سمحا ... وأبى بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يورق للعين ... ويأبى الإثمار كل الإباء
وهذا رجل يروم العدو تصغيره والازراء به، فيأبى فضله إلا ظهورا، وقدره إلا
سموا، وذاك شهاب من نار تصوب وهي تعلو، وتخفض وهي ترتفع، كما
قال أيضا:
ثم حاولت بالمثيقيل تصغيري ... فما زدتني سوى التعظيم
كالذي طأطأ الشهاب ليخفى ... وهو أدنى له إلى التضريم
وأخذ هذا المعنى من كلام في حكم الهند، وهو أن الرجل ذا المروءة والفضل
ليكون خامل المنزلة غامض الأمر فما تبرح به مروءته وعقله حتى يستبين ويعرف
كالشعلة من النار التي يصوبها صاحبها، وتأبى إلا ارتفاعا.
هذا هو الموجب للفضيلة والداعي إلى الاستحسان، والشفيع الذي أحظى
التمثيل عند السامعين، واستدعى له الشغف والولوع من قلوب العقلاء الراجحين،
ولم تأتلف هذه الأجناس المختلفة للمتمثل، ولم تتصادف [3] هذه الأشياء المتعادية
على حكم المشبه، إلا لأنه لم يراع ما يحضر العين، ولكن ما يستحضر العقل،
ولم يعن بما تنال الرؤية، بل بما تعلق الروية [4] ، ولم ينظر إلى الأشياء من حيث
توعى، فتحويها الأمكنة، بل من حيث تعيها القلوب الفطنة، ثم على حسب دقة
المسلك، إلى ما استخرج من الشبه ولطف المذهب، وبعد التصعد إلى ما حصل
من الوفاق استحق مدرك [5] ذلك المدح، واستوجب التقديم، واقتضاك العقل أن
تنوه بذكره، وتقضي بالجنى في نتائج فكره [6] نعم وعلى حسب المراتب في ذلك،
وأعطيته في بعض منزلة الحاذق الصنع [7] والملهم المؤيد، والألمعي المحدث [8]
الذي سبق إلى اختراع نوع من الصنعة حتى يصير إماما، ويكون من بعده تبعا له
وعيالا عليه، وحتى تعرف تلك الصنعة بالنسبة إليه، فيقال: صنعة فلان وعمل
فلان. ووضعته في بعض موضع المتعلم الذكي والمقتدي المعيب في اقتدائه، الذي
يحسن التشبه بمن أخذ عنه، ويجيد حكاية العمل الذي استفاده، ويجتهد أن يزداد.
واعلم أني لست أقول لك: إنك متى ألفت الشيء ببعيد عنه في الجنس على
الجملة فقد أصبت وأحسنت، ولكن أقوله بعد تقييد وبعد شرط، وهو أن تصيب
بين المختلفين في الجنس وفي ظاهر الأمر شبها صحيحا معقولا، وتجد للملائمة
والتأليف السوي بينهما مذهبا وإليهما سبيلا، وحتى يكون ائتلافهما الذي يوجب
تشبيهك [9] من حيث العقل والحدس في وضوح اختلافهما من حيث العين والحس،
فأما أن تستكره الوصف وتروم أن تصوره حيث لا يتصور فلا؛ لأنك تكرن في