جمادى الآخرة - 1344ه
يناير - 1926م
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
فتوى المنار
في حظر ترجمة القرآن
نشرت في ص268 - 274 م11 ج4 منه المؤرخ 29 ربيع الآخر سنة
1326
(س1) من الشيخ أحسن شاه أفندي أحمد (من روسيا)
حضرة الأستاذ السيد محمد رشيد رضا
نرجو أن تعيروا جانب الالتفات لهذه المسألة المهمة: والحج والزكاة، والعمل
بكتب فقه الأئمة الأربعة التي وصفها بأنها مملوءة بالنفاق والشقاق، وزعم
أن العمل بها غير جائز، ثم قال في صفات (قوم جديد) ما نصه:
(وأما القوم الجديد فإنهم لا يبالون بمثل هذه الخرافات القديمة، بل
استخرجوا من الأحكام القرآنية والحديثية الأركان الدينية الآتية:
(1) العقل.
(2) كلمة الشهادة.
(3) الأخلاق الحسنة.
(4) الجهاد مالا وبدنا والحرب.
(5) السعي لإعداد لوازم الحرب.. . إلخ.
ثم بسطنا هذه المسائل من وسائل ومقاصد في المجلد التاسع عشر، وقد صدق
كل ما قلناه وارتأيناه من مقاصد ملاحدة الترك ما فعلته الحكومة الكمالية من إلغاء
الأحكام الشرعية كلها، وجعل جميع سياستها وأحكامها حتى الشخصية مدنية أوربية،
وإلغاء المحاكم الشرعية، والأوقاف الإسلامية، والمدارس الدينية، دع إلغاء ما
عمل باسم الدين من المبتدعات كتكايا أصحاب الطرق مقلدة المتصوفة إلخ، صدقوا
بالفعل كل ما قلناه من مقاصدهم، وكان بعض المسلمين الجاهلين بحال الدولة
التركية وتأثير التفرنج فيها ينكرون علينا ما نقوله عن علم وخبرة وغيرة على
الإسلام، ظنا منهم أنه إضعاف للدولة حامية الإسلام، وإنما كان حرصا على تقوية
الدولة بالإسلام وتقوية الإسلام بالدولة؛ لأننا نعلم ما لا يعلمون من إفضاء هذه
الضلالات والعصبية الجنسية إلى إضاعة هؤلاء المتعصبين المفتونين للإسلام
وللدولة معا؛ وكذلك كان.
وقد كان بعض الترك الروسيين استفتانا في مسألة الترجمة قبل أن نعلم بهذا
الغرض الفاسد فأفتيناه فيها لذاتها، إذ لم يكن يخطر ببالنا أن أحدا من المسلمين
يتوسل بذلك إلى إخراج شعب إسلامي من الإسلام - وهذا نص السؤال والجواب:
ذكر الفاضل أحمد مدحت أفندي من علماء الترك العثمانيين في كتابه (بشائر
صدق نبوت) ما ترجمته:
إن ترجمة القرآن مسألة مهمة عند المسلمين، وجميع المباحثات التي دارت
بشأن ترجمة هذا الكتاب المجيد لم ترس على نتيجة، وذلك لوجوه:
(الأول) : أن ترجمته بالتمام غير ممكنة لإعجازه من جهة البلاغة.
(والوجه الثاني) : أن فيه كثيرا من الكلمات لا يوجد لها مقابل في اللغة
التي يترجم إليها، فيضطر المترجم إلى الإتيان بما يدل عليها مع شيء من التغيير،
ثم إذا نقلت هذه الترجمة إلى لغة أخرى يحدث فيها شيء من التغيير أيضا وهلم
جرا، فيخشى من هذا أن يفتح طريق لتحريف القرآن وتغييره.
(الوجه الثالث) : أن كلمات الكتب السماوية يستخرج منها بعض إشارات
وأحكام بطريق الحساب، فإبدالها بالترجمة يسد هذا الطريق، مثال ذلك أن سعدي
جلبي كتب في حاشيته على البيضاوي عند تفسير سورة الفاتحة أنه إذا أخرجت
الحروف المكررة من سورة الفاتحة التي هي أول القرآن، وسورة الناس التي هي
آخر سورة، تكون الحروف الباقية ثلاثة وعشرين قال: وفي ذلك إشارة إلى مدة
سني النبوة المحمدية، فإذا ترجم القرآن لا يبقى في الترجمة مثل هذه الفوائد التي
هي من جملة معجزاته، انتهى، (من بشائر صدق نبوت) .
أما أدباؤنا معشر الترك الروسيين، فإنهم مصرون على ترجمته ويقولون: لا
معنى للقول: بأنه لا تجوز ترجمة القرآن إلا إيجاب بقائه غير مفهوم، فلذا يذهبون
إلى وجوب ترجمته، وهو الآن يترجم في مدينة قزان، وتطبع ترجمته تدريجا،
وكذلك تشبث بترجمته إلى اللسان التركي زين العابدين حاجي الباكوي أحد فدائية
القفقاز، فنرجو من حضرة الأستاذ التدبر في هذه المسألة.