تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رفيق العظم

وفاته وترجمته

في يوم عرفة (9 ذي الحجة سنة 1343 الموافق 30 حزيران يونيو)

سنة 1925 فجعت البلاد المصرية والسورية، بل الأمة العربية، برجل كان من

أعلى رجالها قدرا، وأنبههم فيها ذكرا، وأعظمهم لديها زخرا، رجل الحسب

الشامخ، والأدب العالي، والفكر المنير، والوطنية الصادقة، العالم المؤرخ،

الكاتب الاجتماعي، العامل السياسي، صديقي الوفي (رفيق بك العظم) ابن

محمود بك خليل العظم من أسرة آل العظم السورية العريقة في المجد، ففقدت الأمة

بفقده زعيما كبيرا، ونابغا حكيما، وكاتبا قديرا، في زمن هي أحوج فيه إلى

الرجال المحنكين، والزعماء المخلصين منها إلى العافية للأبدان، والطمأنينة

للحيران، فرحمه الله تعالى.

***

نشأته الأولى

ولد الفقيد في دمشق سنة 1282ه، ونشأ كما كان ينشأ أمثاله من أبناء

الوجهاء المترفين في ذلك العهد، فلم يعن والده بتعليمه في مدارس العلم العربية؛

لأنها خاصة برجال الدين، ولا في مدارس الحكومة العثمانية الإعدادية والعالية؛

لعدم شعوره بالحاجة إلى تخريجه فيها، أو عدم رغبته بجعله من عمالها وموظفيها،

الذين لا تكنهم دار ولا يقر لهم بين أهلهم قرار، أو لمحض الإهمال، على أنه

هو لم يتعلم تعلما منظما وإنما أخذ بعض المبادئ عن بعض شيوخ عصره، وكان

يعاشر العلماء والأدباء والمتصوفة، ويطالع الكتب ودواوين الشعر لأجل التسلية،

فكان بذلك شاعرا ومؤلفا في الأدب والتصوف، وجاء فقيدنا وارثا له في ذكائه

ونشأته؛ ولكنه فاقه في الجد والعلم النافع والعمل، أخذ التعليم الابتدائي في كتاب

أهلي، ثم أخذ شيئا من مبادئ اللغة العربية عن الأستاذ الفاضل الشيخ توفيق أفندي

الأيوبي الشهير، وكان كل ما حصله بعد ذلك بمطالعاته الشخصية، فهل كان يدور

في خلد أحد أن مؤلف كتاب أشهر مشاهير الإسلام وغيره من الكتب والرسائل

والمقالات الكثيرة في كبرى الجرائد والمجلات المصرية لم يقرأ كتابا حافلا من كتب

النحو والصرف ولا من كتب المعاني والبيان، ولم يتلق علما ولا فنا قديما ولا

حديثا عن أستاذ؟ فما هذا الذكاء النادر الذي وضعه في مصاف العلماء المصنفين،

والكتاب المجيدين؟ وما تلك الهمة العالية التي رفعته إلى مقام الزعماء السياسيين،

ورجال الانقلاب المدبرين؟

كان رفيق ذكي الفؤاد ميالا بفطرته إلى العلم والجد ومعالي الأمور، عزوفا

عن سفاسفها وصغائرها، نبت به هذه الفطرة الزكية عن صرف أوقات صباه في

اللهو واللعب مع أمثاله من أبناء الموسرين، وجذبته إلى معاشرة أهل العلم والأدب

والأفكار في الأمور العامة: كالأستاذ المرحوم الشيخ طاهر الجزائري والأستاذ

الشيخ سليم البخاري والأستاذ الشيخ توفيق الأيوبي من كهول مشيخة الشام،

والأستاذ الشيخ محمد علي مسلم ومحمد أفندي كرد علي من الأتراب، وحبب إليه

البحث ومطالعة كتب الأدب والتاريخ، وكانت نزعته العلمية وكذا الاجتماعية

إسلامية، حتى إن علماء الأقطار البعيدة الذين وصلت إليهم كتبه ورسائله بعد ذلك

كانوا يظنون أنه من علماء الدين.

***

اشتغاله بالسياسة وهجرته إلى مصر

ثم إنه كان يعاشر أحرار رجال الحكومة العثمانية من الترك وغيرهم أيضا،

وتعلم اللغة التركية باجتهاده حتى صار يقرأ كتبها وجرائدها، وإذ كان ميالا بطبعه

إلى السياسة والأمور العامة استماله بعضهم إلى الاشتغال معهم في جمعياتهم السرية،

فدخل أولا في جمعية الدستور التي أسسها في الشام أسعد بك مدير البوليس فيها،

ثم في جمعية الاتحاد والترقي.

ولما اشتد السلطان عبد الحميد في مطاردة السياسيين العثمانيين طلاب

الدستور، وطفق ينكل بمن يتعذر استمالته منهم بالوظائف أو الرتب والنياشين؛

أزمع الفقيد الهجرة إلى مصر، ويقول شقيقه الكبير عثمان بك: إن ذلك كان سنة

1894م.

وبعد استقراره في مصر واتخاذها دار هجرة ومقامة، طفق ينشر المقالات

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١١٤