كلمة
في فوائد كتابي المغني والشرح الكبير
(تابع ما قبله)
بعد هذا التمهيد أقول: إن للمسلمين في هذين الكتابين (المغني والشرح
الكبير للمقنع) بضع فوائد:
(إحداها) : أنهم باطلاعهم على أدلة الأحكام يكونون على حظ من البصيرة
في دينهم، كما وصف الله تعالى رسوله وأتباعه بقوله: {قل هذه سبيلي أدعو إلى
الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} (يوسف: 108) .
(ثانيتها) : أن المتلقي لأحكام دينه من فقه أي مذهب من المذاهب المدونة
يخرج باطلاعه على أدلتها في الكتابين من ربقة الجمود على التقليد المحض المذموم
في القرآن، إلى الاتباع المقرون بالبصيرة الذي اشترطه الأئمة فيمن يتلقى العلم
عنهم كما تقدم.
(ثالثتها) : أن من اطلع على أقوال أئمة السلف وعلماء الأمصار أصحاب
المذاهب المختلفة وأدلتهم عليها، بالطريقة التي جرى عليها صاحب المغني وتلميذه
صاحب الشرح الكبير من احترام الجميع، وتقديم الأقدم في التاريخ على غيره في
الذكر غالبا يكون جديرا باحترام جميع العلماء وجميع المذاهب، وعدم جعل المسائل
الخلافية سببا للتفرق أو التعادي بين المسلمين، ولا للتفاضل المفضي إلى ذلك،
فإن المقلد لأي واحد منهم ينبغي أن يقتدي به في سيرته وهديه.
(رابعتها) أن يعلم أن من أدلتهم ومداركهم ما هو مستند إلى نصوص
الكتاب والسنة القطعية أو الظنية، وما مستنده القياس أو الاستنباط من القواعد
العامة أو الخاصة بمذهب دون مذهب: كالمصالح عند المالكية وغيرهم،
والاستحسان عند الحنفية، وبهذا يعلم غلط من زعم أن المسلمين استمدوا أحكام
المعاملات من القوانين الرومانية، ومن زعم أن جميع ما يذكر في كتب الفقه هو
من شرع الله المنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - حتى رتب عليه بعضهم
أن من أنكر شيئا منه أو اعترض عليه يكون مرتدا عن الإسلام، وفي بعض هذه
الكتب أن من عمل عملا يعد في العرف إهانة لشيء من هذه الكتب أو لورقة فتوى
عالم يحكم بردته، ويقتل إذا لم يتب، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر
المسلمين ولا يرثه أولاده؛ لأنه أهان شرع الله، ويلزم منه كذا وكذا! ! بل قال:
إن إهانة العالم كفر؛ لأنها إهانة للشرع إلخ، فهذه تشديدات ردها المحققون.
والحق أن أكثر ما في كتب الفقه مسائل اجتهادية، وآراء ظنية مستنبط بعضها
من أقوال فقهائهم، أو من علل دقيقة من علل القياس ينكر مثلها أكثر علماء السلف
الصالح، فهي تحترم كما يحترم ما يخالفها في المذاهب الأخر على سواء، من باب
احترام العلم واستقلال الرأي، وعدم جعل الخلاف ذريعة للعداوة والبغضاء في
الأمة الواحدة المأمورة بالاتفاق والاعتصام. ولكن لا يتخذ شيء منها من قواعد
الإيمان، ولا يعد مخالفه كافرا ولا عاصيا لله تعالى، سواء كان مستدلا أو مقلدا
لغيره في مخالفتها، ولا يجعل ضعف شيء منها مطعنا في أصل الشريعة، كما
يفعل ذلك بعض أعداء الإسلام، بل يستعان بمجموعها على التيسير على الناس.
كان كبار علماء الصحابة والتابعين وغيرهم من مجتهدي السلف يتحامون أن
يسموا ظنونهم الاجتهادية حكم الله وشرع الله، بل كان أعظمهم قدرا وأوسعهم علما
يقول: هذا مبلغ علمي واجتهادي، فإن كان صوابا فمن الله وله الفضل، وإن كان
خطأ فمني ومن الشيطان، وكان مما يوصي به النبي - صلى الله عليه وسلم -
أمير الجيش أو السرية قوله: (وإذا حاصرت حصنا فأرادوك أن تنزلهم على حكم
الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم
الله فيهم أم لا) رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه، وقال ابن القيم في أعلام
الموقعين: لا يجوز للمفتي والحاكم أن يقول: هذا حكم الله أو أحل الله أو حرم الله؛
لما يجده في كتابه الذي تلقاه عمن قلده , وذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية حضر
مجلسا ذكرت فيه قضية، وقيل: حكم فيها بحكم الله، فقال: بل حكم فيها برأي