تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكى شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ".

فكيف نقصي دين الله عن حركة حياتنا، وقد تدخل في أبسط الأمور،

" فدخل رجل عاص الجنة لأنه سقى كلبا، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها "

، فما بالك بالإنسان الذي كرمه الله، أنهتم بسياسة الكلاب ونترك سياسة البشر؟ وورد أيضا في الحديث القدسي:

" يا بن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تلعب "

يعني جد في حركة الحياة، لأن اللعب حركة بلا فائدة وبلا مغزى، والله يريد لحركة العباد أن تكون حركة نافعة ذات مغزى. فلو أنك أخذت جانب العبادة وأهمها الصلاة مثلا، ألست تحتاج لإقامة هذا الواجب إلى ستر العورة كيف؟ ثياب تلبسها، كيف تصل إليك هذه الثياب؟ تأمل من أول زراعة القطن إلى أن يصلك ثوب تلبسه، إنها رحلة طويلة من السعي والعمل والجد، يشترك فيها آلاف يخدمونك في هذه المسألة. إذن: حركة الحياة ليست هي الصلاة فحسب، بل كل ما يعينني على أداء الصلاة وكل ما يعينني على أداء الزكاة والصوم والحج. إذن: العبادة أمر شائع في كل حركة الحياة، فكيف نفصل الدين عن حركة الحياة كلها، فضلا عن أن نفصله عن سياسة أمر الخلق وتدبير شئونهم؟ وقوله سبحانه: ﴿ مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون ﴾ [الذاريات: 57]. أي: ما أريد من خلقي أن يرزقوني، نعم لأنه هو سبحانه الرزاق المتكفل بأرزاق كل الخلق، فكيف ينتظر منهم رزقا، وهو يرزق مؤمنهم، ويرزق كافرهم؟ كيف وهو موجود سبحانه قبل أن يوجدوا، وله صفات الكمال كلها قبل أن يخلقهم. ومن باطن هذا الرزق يرزق الناس بعضهم بعضا، فرزق هذا من يد هذا، والحق سبحانه وتعالى يشجع العبد على أن يعطي فيقول له: حينما ترزق عبدي فكأنك رزقتني، وحينما تعطيه كأنك أعطيتني. ذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الناس واستدعاهم إلى الوجود، وتكفل لهم بالرزق، فيد الله ممدودة لخلقه بخلقه، لذلك سمى الصدقة على الفقير قرضا، فقال:

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا..

[البقرة: 245]. وفي الحديث القدسي:

" يا بن آدم مرضت فلم تعدني، فيقول العبد: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. يا بن ادم استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: لقد استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي... ".

إذن: فعل الخير يقع في يد الله قبل أن يقع في يد العبد، والحق سبحانه وتعالى لو أراد لأنزل رزقه إلى عباده مباشرة، لكن جعله من أيدي الناس لأيدي الناس ليزرع بينهم الألفة والمودة والمحبة، ويشيع بينهم التراحم وعدم الاستكبار، فالله يريد المجتمع أن تكاتف وأن يتعاون.

وقوله تعالى: ﴿ ومآ أريد أن يطعمون ﴾ [الذاريات: 57] فعطف الطعام على الرزق، لماذا؟ سبق أن بينا أن الرزق هو كل ما ينتفع به، وعلى هذا فالعلم رزق، والحلم رزق، والكرم رزق، والصحة رزق وهكذا، فالرزق هنا الرزق العام لذلك خص بعده الطعام لأنه أظهر شيء في الرزق، وبه تقوم الحياة وتستبقي. قالوا: ولم يذكر الشراب لأنه داخل في الطعام. ﴿ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ﴾ [الذاريات: 58] السياق هنا يؤكد على هذه الحقيقة ليرسخها في الأذهان، ليطمئن كل منا على أن رزقه مضمون ﴿ إن الله هو الرزاق.. ﴾ [الذاريات: 58] فاستخدم إن ثم ضمير المنفصل هو ﴿ ذو القوة.. ﴾ [الذاريات: 58] أي: صاحب القوة. وهذا يعني أن الذات شيء، والقوة شيء منفصل عنها. وفي موضع آخر يتكلم عن القوة والغلبة فيقول:

كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٣٠