يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير..
[الأعراف: 26]. فاللباس الذي يواري السوأة يمثل الضروريات والريش للزينة والكماليات، وهذا قصارى ما نأخذه في الدنيا.
ثم يلفت الأنظار إلى ما هو أهم
لباس التقوى ذلك خير..
[الأعراف: 26] خير من نعيم الدنيا وزينتها وزخرفها، لأن هذا زائل وهذا باق دائم، لباس الدنيا يسترك في الدنيا، ولباس التقوى يسترك في الدنيا وفي الآخرة. ولما كان لعطاء الألوهية هذه الأهمية لم يعطه الله إلا لمن آمن به مختارا، فلم يكلف إلا المؤمن، لذلك نقرأ دائما في مجال التكاليف
يآأيها الذين آمنوا..
[البقرة: 153]. ثم تذكر الآيات صفة أخرى من صفات المتقين ﴿ إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ [الذاريات: 16] أي: ما استحقوا هذه المنزلة إلا لأنهم ﴿ كانوا قبل ذلك محسنين ﴾ [الذاريات: 16] والإحسان درجة عالية من درجات الإيمان عرفها العلماء فقالوا: الإحسان هو ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
والإحسان هو الزيادة في الطاعات فوق ما أمرك الله به، لذلك نزلت هذه الآية في مكة قبل أن تفرض الزكاة في مكة، قال تعالى: ﴿ وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم ﴾ [الذرايات: 19] ولم يقل حق معلوم، فالحق المعلوم هو الزكاة وقد فرضت بالمدينة، أما الصدقة فكانت في المرحلة المكية. إذن: معنى الإحسان أنهم ذهبوا إلى مراتب الإحسان قبل أن يكلفوا بها، وهذا يعني أن مراتب الإحسان فطرية وطبيعية، وفي إمكانك ولا تكلفك، وهكذا كل أمور الطاعة والاستقامة تأتي طبيعية لا تكلف فيها على خلاف المعصية. لذلك نقول: إن المستقيم مثلا يوفر ثمن الجلوس على القهاوي وشرب الدخان والقهوة والمخدرات والمسكرات، فالاستقامة من الناحية الاقتصادية أوفر لصاحبها. حتى في عمل الجوارح تأتي الاستقامة طبيعية، أما المعصية فتحتاج إلى تكلف وتلصص واحتيال، لذلك في الاشتقاق اللغوي عبر القرآن عن الطاعة ب كسب وعن المعصية ب اكتسب. فالكسب أمر طبيعي، و كسب على وزن فعل، أما اكتسب ففيها افتعال وهي على وزن افتعل، وهذا الافتعال تراه مثلا فيمن يحتال لينظر إلى ما حرم الله عليه، كيف يتلصص ويسارق الناس النظرات، كذلك تراه فيمن يذهب إلى المسجد ومن يذهب إلى الخمارة وهكذا. وقد عرف العلماء درجة الإحسان في العبادة، فقالوا: الإحسان أن تؤدي ما فرضه الله عليك من العبادة، وتزيد عليها من جنس ما فرض الله، فالمؤمن يؤدي الصلوات الخمس والمحسن يؤديها ويزيد عليها ما استطاع من النوافل. المؤمن يؤدب الزكاة بمقدار نصف العشر أو ربع العشر، والمحسن يؤدي فوق ذلك وهكذا. إذن: المحسن هنا له معنيان: أنه أحسن قبل التكليف وبادر بعمل الخيرات قبل أن تفرض عليه، أو أدى ما فرض عليه ثم زاد على ما فرض من جنس ما فرض الله عليه. ثم يصف الحق سبحانه وتعالى المحسنين بقوله: ﴿ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ﴾ [الذاريات: 17] والهجوع هو: الثبات عن الحركة في الخير وعدم عمل الشر، ونقول للولد المشاغب الذي تزيد حركته: اهجع.
يعني: كف عن الحركة المزعجة. ومن هنا قالوا: نوم الظالم عبادة، نعم عبادة لأنه يكفه عن الظلم، فهؤلاء لهم أن يصلوا العشاء ويناموا بعدها إلى الفجر، لكن حبهم للطاعة جعلهم لا يهجعون من الليل إلا قليلا، ونفي الهجوع نفي للنوم من باب أولى. والإحسان نتيجة لحب العبد لربه، فالله أحسن إليك حين كلفك وحياك بهذا التكليف، فعليك أن ترد التحية بأحسن منها، فإن كلفك بخمس صلوات تجعلها عشرا، وإن كلفك بنصف العشر أو بربع العشر في الزكاة تجعلها أضعاف ذلك، وهكذا في سائر العبادات وأوجه الخيرات. ولما سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان قال: