والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب
[النور: 39] فوجئ بالإله الحق الذي لم يكن في باله هو الذي يحاسبه، وهو الذي يجازيه. ومن علامات هؤلاء المؤمنين أيضا ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود.. ﴾ [الفتح: 29] سيماهم أي علامتهم المميزة لهم هي الأثر الذي يتركه السجود في جبهة الإنسان والتي نسميها زبيبة الصلاة. فالخالق سبحانه لم يخلق البشر في الكون على قالب واحد، إنما لكل إنسان قالبه الخاص به، والذي لا يتطابق مع قالب آخر على كثرة الخلق، وهذه من طلاقة القدرة في عملية الخلق، فالناس مختلفون في الطول والقصر والعرض واللون والملامح.. إلخ. لكن الصفة المميزة لجميع المؤمنين الذين وصفهم الله بهذه الصفات، ﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود.. ﴾ [الفتح: 29] وهذه العلامة يلازمها نور في الوجه وبشاشة نلاحظها على وجه المؤمن، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وكثيرون منا يجد لذة في إطالة السجود، ويجد فيه أنسا بالله فيعتاد ذلك، فتظهر هذه العلامة على جبهته إلى جانب هذا النور والإشراق الذي يبدو على وجهه. وتستطيع أن تلاحظ هذا إذا قارنت بين رجل قضى ليله في الشرب والخلاعة والاستهتار، وآخر قضى ليله في عبادة الله وتسبيحه.
وهذه الوجوه تأتي هكذا
وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة
[عبس: 38-42]. ونحن نلاحظ هذه الصورة، ونرى بدايتها في الدنيا قبل الآخرة. وقوله تعالى: ﴿ ذلك.. ﴾ [الفتح: 29] أي: الأوصاف التي سبق ذكرها للمؤمنين مع محمد وهي: ﴿ أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود.. ﴾ [الفتح: 29] هذه الصفات هي: ﴿ مثلهم في التوراة.. ﴾ [الفتح: 29] وهكذا وصفتهم التوراة، فكأن التوراة فيها ذكر ومثل للمؤمنين الذين يؤمنون بمحمد الرسول الخاتم، لأن التوراة مبشرة به. أما الإنجيل فقد وصفهم بأوصاف أخرى غير هذه ﴿ ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار.. ﴾ [الفتح: 29]. فهؤلاء المؤمنون مثلهم في الإنجيل مثل الزرع الذي أخرج ﴿ شطأه.. ﴾ [الفتح: 29] أي فروعه، والشطأ هو أعلى العود أو السنبلة ﴿ فاستغلظ.. ﴾ [الفتح: 29] يعني: اشتد العود وقوي وامتلأ ﴿ فاستوى على سوقه.. ﴾ [الفتح: 29] يعني: بلغ مبلغه حتى إنه ﴿ يعجب الزراع.. ﴾ [الفتح: 29] لكمال استوائه واستقامته ﴿ ليغيظ بهم الكفار.. ﴾ [الفتح: 29]. ولك الآن أن تقارن بين هذين المثالين تجد المثل الأول في التوراة اهتم بالنواحي الروحية، وذكر أمورا وأوصافا كلها قيم ومعنويات، فأتباع محمد أشداء على الكفار رحماء بينهم، وهم ركع وسجد يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وهم سيماهم في وجوههم من أثر السجود، كلها قيم ومعنويات ليس فيها شيء من الماديات أبدا. أما مثلهم في الإنجيل فمثل مادي يخلو تماما من الروحانيات أو القيم، لماذا؟ قالوا: لأن اليهود كانوا قوما ماديين مبالغيين فيها بحيث لا يقتنعون إلا بها. ففي فترة التيه التي كتبها الله عليهم رزقهم المن والسلوى، وهو طعام حلو شهي يأتيهم دون تعب، وينزل عليهم دون سعي منهم، فلم يرضوا به لأنه غيب لا يعلمون مصدره، وطلبوا من الله أن يرزقهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها. أي: ما يزرعونه بأيديهم ويباشرونه بأنفسهم. حتى في علاقتهم بالله أرادوا أن يكون سبحانه مادة، فقالوا: لموسى عليه السلام
لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة..
[البقرة: 55] والحق سبحانه وتعالى غيب
لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر..