تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

48.28

الهدى هو الدلالة على طريق الخير الموصل للغاية التي تسعد صاحبها في الدنيا والآخرة، وقد أرسل سيدنا رسول الله بالهدى للناس كافة فدل الجميع، فمن اهتدى بهداه أعانه الله وزاده هدى

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17] ومن انصرف عنه واختار الضلال زاده الله ضلالا بأن ختم على قلبه. ومثلنا لذلك بشرطي المرور حين يرشدك إلى الطريق، فإن سمعت كلامه واهتديت بدلالته لك زادك وصحبك حتى يوصلك إلى غايتك، وإن انصرفت عنه ولم تأخذ برأيه تركك ومصاعب الطريق، وربما رآك على الطريق الخاطئ، فلم ينصح لأنك لم تسمع له. والقرآن الكريم لما تكلم عن الهدى قال:

أولئك على هدى من ربهم..

[البقرة: 5] وهذا المعنى يصحح الفهم الخاطىء عند البعض، حيث يرون أن الهدى عبء على صاحبه ومشقة وتكاليف وتقييد للحرية. لكن الهدى في الواقع غير ذلك، الهدى مطية تحملك إلى غايتك، فأنت على هدى يعني مستعل عليه تركبه ليوصلك، فالمنهج وإن كان في ظاهره يقيد حركتك، إلا أنه يقيدها لصالحك أنت ويقف ضد شهواتك لصالحك أنت. المنهج حين يقيد يدك عن السرقة يقيد يد الناس جميعا، أن تسرق منك، وحين يأمرك بغض البصر عن محارم الناس يأمر الناس جميعا بغض البصر عن محارمك. إذن: أنت الفائز في هذه المسألة. المنهج يقيد حركتك عن شهوة عاجلة في الدنيا ليعطيك نعيما باقيا في الآخرة. وقوله: ﴿ ودين الحق.. ﴾ [الفتح: 28] أي: الإسلام، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. ﴿ ليظهره على الدين كله.. ﴾ [الفتح: 28] يعليه ويعلي كلمته على كل الأديان التي سبقته، لأن القرآن جاء مهيمنا على كل هذه الكتب، كما قال تعالى:

وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه..

[المائدة: 48]. والظهور هنا ظهور حجة وبرهان، وظهور كمال في التعاليم وفي المنهج، وهذا لا يمنع وجود ديانات أخرى ما زالت حتى الآن وبعد أربعة عشر قرنا من الإسلام. لذلك سئلنا هذه السؤال في إحدى سفرياتنا، فقلنا ﴿ ليظهره على الدين كله.. ﴾ [الفتح: 28] لا تعني أن يكون الناس جميعا مسلمين، لأن الظهور هنا ظهور تعاليم، وحدث هذا بشهادتكم أنتم فقد ألجأتكم قضايا الحياة إلى منهج الإسلام حيث لا حل لكم إلا فيه. لذلك رأيناهم يأخذون مثلا بأحكام الطلاق في الإسلام، وهذا إظهار للدين لأنهم أخذوا تعاليمه دون أن يؤمنوا به، كذلك في مسألة تعدد الزوجات كانوا يهاجمونها ويتعرضون عليها والآن ينادون بها. والعجيب أنهم يرضون بتعدد الخليلة يعني العشيقة، ولا يرضون بتعدد الحليلة أي الزوجة، وهذا فساد في الطبع والذوق وتصرف تأباه الشرائع. كذلك في الناحية الاقتصادية، لما تكلم كنز ملك الاقتصاد عندهم انتهى إلى القول بأن المال لا يؤدي وظيفته الاجتماعية في الكون إلا إذا انخفضت الفائدة إلى صفر، وهذا هو رأي الإسلام.

لذلك حرم التعامل بالربا لأن الربا عملية بين غني وفقير، غني عنده فائض يقرض، وفقير معدم يقترض، فكيف نطلب من الفقير الذي لا يملك الأصل أن يعطي الغني الذي يملك الأصل وزيادة. ثم هب أن الفقير أخذ المال ليستثمره في التجارة ثم خسرت هذه التجارة. إذن: يكون مطلوبا منه أن يسدد رأس المال ثم الفوائد إلى جانب جهده الذي راح هباء طوال مدة التجارة. إذن: كم مصيبة حلت به؟ إذن: تحريم الربا يقدر أولا مصلحة الفقير، ويقدر أيضا مصلحة الغني في كل شيء لأنك إن كنت قادرا فأقرضت نظرت إلى حال الغني. لكن قد تتقلب الأوضاع، ويصير الغني فقيرا يحتاج إلى أن يقترض. إذن: ليس من مصلحته أن يتعامل بالربا. وقوله: ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ [الفتح: 28] يعني: شهادته كافية، لأن الشاهد حينما يشهد يشهد بما رأى ورؤيته محدودة، إنما حين يشهد الله فهي شهادة العلم المحيط إحاطة تامة ولا يوجد من يغيرها، لكن ﴿ شهيدا ﴾ [الفتح: 28] على ماذا؟ قالوا: على أن الذي يتبع الهدى مصيره إلى الجنة، وهي دار النعيم الدائم الذي لا ينقطع، والنعمة التي لا تزول.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٥٩