[الأنعام: 103]. أما رؤيتنا له سبحانه في الآخرة فلأننا نعد فيها إعدادا آخر يناسب هذا الشرف، بحيث نتمكن من رؤيته تعالى، أما في الدنيا فلا نقدر على ذلك لأن الله تعالى لم يمنع تجليه على خلقه، لكن نحن في الدنيا لا نقدر على تحمل هذا التجلي.
وهذا المعنى واضح في قصة سيدنا موسى عليه السلام، لما قال لربه عز وجل
رب أرني أنظر إليك..
[الأعراف: 143] فكان الجواب
قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني..
[الأعراف: 143] وهذا يعني أن غيرك يمكن أن يراني.
فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا..
[الأعراف: 143] فلما تجلى ربنا للجبل اندك الجبل، فكيف إذا تجلى سبحانه وتعالى على الإنسان، وموسى عليه السلام رأى الجبل وهو يندك فخر وصعق من هول ما رأى من أثر التجلي على المتجلى عليه. نقول: فلما كانوا بهذه الصورة من المادية جاء لهم بمثل كله روحانيات وقيم، فكأنه ذكر في التوراة من صفات المؤمنين بمحمد ما ينقض أهل التوراة، يقول لهم: أنتم بالغتم في المادية، وسوف آتي بنبي له أمة تقيم الروحانيات والقيم التي قصرتم أنتم فيها. أما النصارى فكانوا يغلبون الروحانيات، والإنجيل ذاته كله روحانيات وقيم، لذلك لما سئل سيدنا عيسى عليه السلام عن مسألة ميراث قال: أنا لم أبعث مورثا. وهذا التباين بين التوراة والإنجيل جعل اليهود والنصارى يلتقون على كتاب واحد، مزيج من التوراة والإنجيل ليجمعوا بين المادية والروحانية، وسموه الكتاب المقدس، التقوا عليه رغم ما بينهم من العداوة والخلاف. ولما كان الإنجيل بهذا الوصف جاء مثل المؤمنين فيه مثلا ماديا تماما، وهو الشيء الذي يفتقده الإنجيل، فالإنجيل يخلو تماما من الحديث عن المعاملات وعن حركة الحياة، إذن: فكل مثل منهما جاء ليجبر نقصا، فاليهود ينقصهم الروحانيات، والنصارى ينقصهم الماديات في حركة الحياة. ونقف هنا عند قوله تعالى: ﴿ ليغيظ بهم الكفار.. ﴾ [الفتح: 29] هذه إشارة إلى أن تقدمنا في الماديات وبلوغنا فيها درجة الاستواء والاستقامة والاكتفاء الذاتي، هذا أمر يغيظ الكفار، فاحذروا أن يسبقوكم في هذا المجال. إنهم إن سبقوكم فيه أذلوا أعناقكم، وتحكموا في مقدراتكم، واستعلوا عليكم بما يملكون من إمكانيات ليست عندكم. وهذا للأسف ما حدث، فقد احتجنا إليهم في معظم الصناعات حتى في لقمة العيش، وها هم يفعلون بنا الأفاعيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لنا: يا من آمن بمحمد فارتضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا عليكم أن تأخذوا من كل بطرف، خذوا من الماديات ما يعلي شأنكم، وما يعينكم على حركة الحياة. وخذوا من الروحانيات ما يعصمكم من الزلل، ويصلح دينكم ودنياكم، لأن مثلكم في التوراة قيم، ومثلكم في الإنجيل مادة. لذلك جاء الإسلام مؤيدا بالعلم الكوني لا يتعارض معه، والقرآن مليء بالحديث عن هذه الكونيات، واقرأ إن شئت وتدبر هذه الآيات:
ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور
[فاطر: 27-28]. فذكر أجناس الوجود كلها الإنسان والحيوان والنبات والجماد، وكلمة العلماء هنا لا تقتصر على علماء الدين، إنما كل العلماء في كل المجالات دينية أو دنيوية. فكأن الحق سبحانه أراد لنا دينا يجمع بين الدنيا والآخرة، بين العبادة وحركة الحياة، فإياكم أن تأخذوا الدين وتتركوا الدنيا لأعدائكم يستزلونكم بها. وسبق أن قلنا: من أراد أن تكون كلمته من رأسه فلتكن لقمته من فأسه، فإياكم أن يتفوق عليكم أعداؤكم في هذا المجال، لأن عطاء الربوبية واحد للمؤمن وللكافر، فلا تتركوه اعتمادا على عطاء الألوهية. إنك لا تستطيع أن تقيم العبودية لله إلا إذا أخذت بعطاء الربوبية، وسعيت إلى تطوير حركة الحياة والاستفادة منها والمشاركة فيها. وسبق أن أشرنا إلى مسألة ستر العورة مثلا، وهي واجبة، ولا تتم العبادة إلا بها، انظر كم حركة من حركات الحياة نقوم بها لنستر عورتنا باللباس؟ تتبع بذرة القطن من حين أن تضعها في الأرض إلى أن تصير ثوبا تلبسه، إذن: نقول حركة الحياة هي التي تعين على حركة الدين. ثم يقول تعالى: ﴿ وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ﴾ [الفتح: 29] انظر ﴿ آمنوا.. ﴾ [الفتح: 29] هذا جانب الدين ﴿ وعملوا الصالحات.. ﴾ [الفتح: 29] هذا جانب الدنيا وما تحتاجه من حركة الحياة. فإياك إذن أن تهمل جانبا لحساب الآخر، لأن دينك دين جامع للروح وللمادة. والذين آمنوا هم الذين جمعوا هذه الصفات ووعدهم الله هذا الوعد. والإيمان هو العقيدة الراسخة المستقرة في النفس، والتي لا تقبل المناقشة، فالقلب مطمئن بهذه العقيدة، وأنها تسعد دنياه وآخرته، والأصل في الإيمان أن تؤمن بالله ربا وخالقا للكون، تؤمن بأسمائه وصفاته. فإذا آمنت بهذه الصفات اطمأن قلبك إلى ما يجري عليك من قضائه وقدره، فهو سبحانه يبتليك بالخير لتشكر، ويبتليك بالشر لتصبر، فأنت مثاب في كلتا الحالتين. والإيمان من مادة أمن فهي تدور حول الأمان والاطمئنان. تقول: آمنت بكذا. يعني: اعتقدته اعتقادا جازما لا يدخله شك، وآمنت له يعني: صدقته. وأمنه يعني: طمأنه على مستقبل حياته، إذن: كلها تدور حول الاستقرار والثبات وعدم التحول إلى النقيض. وثمرة الإيمان ﴿ وعملوا الصالحات.. ﴾ [الفتح: 29] يراد بها ما تقدم من قوله تعالى: ﴿ أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود.. ﴾ [الفتح: 29] وهم في الماديات وفي حركة الحياة مثل الزرع الذي استوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار. والوعد للمؤمنين بماذا؟ ﴿ مغفرة وأجرا عظيما ﴾ [الفتح: 29] قلنا: فيها تخلية ثم تحلية يغفر أولا. ثم يعطي الأجر.