48.5
يروى أنه لما نزلت:
إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما
[الفتح: 1-2] قال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، هذا ما أعده الله لك، فماذا أعد لنا؟ فنزلت: ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها.. ﴾ [الفتح: 5] هذا ما لهم. وقد وقف المستشرقون عند قوله سبحانه: ﴿ ويكفر عنهم سيئاتهم.. ﴾ [الفتح: 5] وقالوا: كيف يكفر عنهم سيئاتهم وقد أدخلهم الجنة بالفعل؟ إنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد أن كفر عنهم سيئاتهم. نقول: المعنى يسترها عليهم حتى لا تنغص معيشتهم في الجنة ولا موقفهم من ربهم عز وجل، أو يسترها عنهم فينسوها حتى لا يخجلوا منها، كما لو أنك أحسنت إلى من أساء إليك. فكلما زدت في الإحسان إليه زاد تأنيبا لنفسه، لذلك يستر الله عنهم سيئاتهم، فلا يذكرونها حتى لا تنغص عليهم ما هم فيه من لذة النعيم. وهنا ملحظ في ﴿ ليدخل المؤمنين والمؤمنات.. ﴾ [الفتح: 5] أولا اللام هنا للتعليل كما في قوله تعالى:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56] فالعلة في الخلق هي العبادة، أما القول بأن أفعاله تعالى لا تعلل نقول: لا تعلل بعلة ترجع إلى نفعه سبحانه إنما إلى نفع غيره، إذن تعلل. ثم ذكر المؤمنات هنا بعد المؤمنين، فلماذا خصهن بالذكر مع أن العادة أن النساء يذكرن في الحكم في طي الرجال في أغلب آيات القرآن، كما في
يأيها الذين آمنوا..
[البقرة: 104] ولم يقل: يأيتها المؤمنات، لأن المرأة مستورة في الرجل، ولا تذكر إلا إذا كان لها حكم خاص بها، فلماذا إذن ذكرها هنا؟ قالوا: لأن المقام مقام حديث عن الجهاد بدليل قوله تعالى:
وينصرك الله نصرا عزيزا
[الفتح: 3] والمرأة لا تجاهد، لذلك ذكرها الحق سبحانه ليؤكد على أن لها أجرا في الجهاد، ولينزع عنها الشك في هذه المسألة. وقوله سبحانه: ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار.. ﴾ [الفتح: 5] بينا أن هذه الآية أتت بلفظ
تجري تحتها الأنهار..
[التوبة: 100] وهذا ليس تكرارا للمعنى الواحد إنما لكل منهما معنى، فالماء حينما يجري من تحتك تطمئن إلى استمراره، فلن يقدر أحد أن يمنعه عنك لأنه ناشىء في ملكك. إنما
تجري تحتها..
[التوبة: 100] ربما كان يجري من مكان بعيد عنك ويمر عليك، فتخشى أن يمنع عنك. وقوله: ﴿ خالدين فيها.. ﴾ [الفتح: 5] ليذهب ما في نفسك من الخوف من فوات النعيم، لأن نعيم الدنيا مهما كان ينغصه عليك مخافة أن يفوتك أو تفوته أنت، فالله يطمئنك على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع وخالد لا يفنى، فلا يفوتك بأن يذهب عنك، ولا تفوته أنت بالموت.
لذلك سماه فوزا عظيما ﴿ وكان ذلك عند الله فوزا عظيما.. ﴾ [الفتح: 5] ما بالك حين يوصف الفوز بالعظمة؟ وما بالك إن كان هذا كله عند الله؟ فالعطاء يكون على قدر المعطي، إنك تسر وتسعد حينما يرضى عنك مسئول كبير مثلا، وتسر حينما تحسن إلى شخص فيعطيك هدية أو مكافأة، فكيف إذا كافأك الله؟ لذلك دائما أذكر يوم أن ذهبنا مع بعض الوزراء إلى سان فرانسيسكو وذهبنا إلى فندق فخم تعجب الجميع من هيئته وجمال تصميمه وما فيه من إمكانيات، فلما رأيت الإعجاب في أعينهم قلت لهم: خذوها دليل إيمان وقولوا: هذا ما أعده البشر للبشر، فكيف بما أعده رب البشر للبشر؟