48.13
الكلام هنا فيه إشارة مفهومة تعني هؤلاء المخلفين، وقوله ﴿ أعتدنا.. ﴾ [الفتح: 13] أي: أعددناها بالفعل فهي موجودة، فالسعير لا تعد لهم بعد حضورهم إليها، إنما هي معدة لهم من الآن تنتظرهم وتتشوق إليهم. وسبق أن أوضحنا أن الحق سبحانه أعد الجنة بحيث تكفي جميع الخلق على اعتبار أنهم جميعا مؤمنون، كذلك أعد النار بحيث تكفي جميع الخلق لو كفروا. فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بقيت أماكن أهل النار خالية في الجنة، لذلك يورثها الحق سبحانه لأهل الجنة، وهذا قوله تعالى:
أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
[المؤنون: 10-11].
48.14
يقول البلاغيون: في الآية أسلوب قصر بتقديم الخبر الجار والمجرور على المبتدأ ﴿ ولله ملك السموت والأرض.. ﴾ [الفتح: 14] أي: لله وحده وملكيتها مقصورة عليه سبحانه دون شريك، ومادة ملك تأتي بضم الميم وفتحها وكسرها، أما اللام فساكنة. نقول: ملك بالكسر يعني: ما تملكه وتملك التصرف فيه، إنما ملك الضم فهو لمن يملك الشيء ويملك مالك الشيء، وهذه لله عز وجل. أما ملك بالفتح فهي بمعنى المقدرة كما جاءت في قوله تعالى:
مآ أخلفنا موعدك بملكنا..
[طه: 87] أي: بإرادتنا ولكننا كنا مجبرين. وهذه الآية جاءت هنا للظرف ﴿ ولله ملك السموت والأرض.. ﴾ [الفتح: 14] وجاءت في موضع آخر للمظروف
لله ما في السموت وما في الأرض..
[التغابن: 1] لأن السماوات والأرض ظرف لأشياء كثيرة. ومعلوم أن المظروف يكون أنفس من الظرف الذي يحفظه، كما قلنا: إن ما في الخزنة أنفس منها وأغلى، وإلا ما حفظ فيها. فإذا كانت السماوات والأرض فيها من العجائب ما لا يحصى، فما بالك بما فيها من مخلوقات لله تعالى، وها نحن كل يوم يكتشف العلماء شيئا جديدا في خلق الله فيه من الإعجاز ما فيه. خذ مثلا الهواء الذي كنا نظنه فقط لعملية التنفس، الآن عرفنا أنه مجال واسع لموجات صوتية وضوئية، والأثير الذي حولنا مليء بما لا حد له من هذه الأشياء. إذن: ابحثوا في الظرف عن نفاسة المظروف، ألا نراهم الآن يتجهون إلى باطن الأرض حيث الثروات الثمينة من الماس والذهب والمعادن والبترول.. كذلك في الجبال الأحجار الكريمة والجرانيت والمرمر والرخام، وفي البحار في أعماقها اللؤلؤ والمرجان. إذن
لله ما في السموت وما في الأرض..
[التغابن: 1] فيه توجيه وإشارة للبحث في المظروف، لكن ﴿ ولله ملك السموت والأرض.. ﴾ [الفتح: 14] فيه إشارة إلى وجوب النظر والتأمل في عجائب السماوات والأرض في ذاتها. وقوله تعالى: ﴿ يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء.. ﴾ [الفتح: 14] البعض يفهم هذه الآية فهما خاطئا. يقول: إذن أين الاختيار؟ والمعنى: أن الله يغفر للمؤمن الذي اهتدى لمنهج الله، ولا يغفر للكافر الذي أعرض عن منهج الله. إذن: ساعة يقول
والله لا يهدي القوم الكافرين
[البقرة: 264] أي: لا يهديهم بسبب كفرهم، لأن الكافر قلبه ملىء كفرا حتى لم يعد فيه مجال للإيمان، لأن الحيز الواحد لا يسع إلا شيئا واحدا، فكان عليه أن يخرج الكفر من قلبه قبل أن يبحث قضية الإيمان. فإذا تجرد قلبه من الهوى وناقش نفسه، وقارن بين الكفر والإيمان، ثم يدخل ما اطمأن إليه منهما كان ولا بد أن يختار الإيمان، لذلك نقول: إن الكافر لم يترك للمناظرة العقلية بينه وبين نفسه مجالا.
واقرأ في ذلك قوله تعالى:
قل إنمآ أعظكم بواحدة..
[سبأ: 46] ما هي
أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة..
[سبأ: 46]. إذن: الحق سبحانه لا يرضى لنا غوغائية التفكير، ولا يرضى لنا المراء و الجدل العقيم، لذلك حدد كيفية النظر والتأمل والبحث، إما أن تكون بمفردك وتناقش نفسك، أو على الأكثر يكون الاثنان معا، هذا يقول وهذا يعدل له، فهما بعيدان عن المراء وعن العصبية، وقريبان من الوصول إلى الحق. ومع أن الآية تتحدث عن المغفرة وعن العذاب ﴿ يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء.. ﴾ [الفتح: 14] إلا أنها تختم بالمغفرة والرحمة فهما الاغلب ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ [الفتح: 14].