تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

48.26

الحق سبحانه وتعالى يبين لرسوله صلى الله عليه وسلم علة أن صدوه عن دخول مكة هذا العام، فالمسألة كلها مجرد حقد وحمية جاهلية تمكنت من قلوب هؤلاء، فكبر عليهم أن يدخل محمد وأصحابه مكة، ففي دخولهم هذا العام إهانة لهم. الحمية هي الطيش والغرور والغطرسة، فالقوة لا تمدح ولا تذم إلا من خلال أثرها على صاحبها، فالقوة تمدح إن جلبت الخير لصاحبها، وتذم إن جرته إلى الشر وأوقعته في الهلاك. ﴿ فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين.. ﴾ [الفتح: 26] السكينة يعني الطمأنينة، والثقة في نصر الله، والرضا بالصلح، والعودة دون دخول مكة هذا العام. ﴿ وألزمهم كلمة التقوى.. ﴾ [الفتح: 26] وهي كلمة التوحيد ﴿ وكانوا أحق بها وأهلها.. ﴾ [الفتح: 26] أجدر بها وأهل لها، حيث استحقوها بطاعتهم لله ولرسوله.

48.27

الحق سبحانه وتعالى يقص علينا قصة شوق المسلمين للبيت بعد أن اغتربوا عن مكة مدة طويلة واشتاقوا لأداء العمرة وللطواف بالبيت، ولكن حمية الجاهلية وطيشها وغرورها بقوتها الكاذبة حالت دونهم ودون ما يريدون. والحق سبحانه حينما يتكلم في هذه المسألة يتكلم عنها على أنها رؤيا سبقت واقع القصة، والرؤيا كما تعلمون ما يراه النائم من أشياء، قد يكون لها واقع وقد لا يكون. والرؤيا تحدث القرآن عنها في قصة سيدنا يوسف عليه السلام:

يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين

[يوسف: 4]. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية، واعترضوا على أسلوب القرآن في تكرار الفعل رأى في هذه الآية

والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين

[يوسف: 4]. والمتأمل في القصة وتفاصيلها لا يجد تكرارا، لأن كل فعل منهما له دلالة ومعنى، فالأول قال:

رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر..

[يوسف: 4] ولم يقل: ساجدين. وفي الأخرى قال:

رأيتهم لي ساجدين...

[يوسف: 4]. وهذا يعني أن الرؤيا الأولى غير الأخرى، الأولى رآهم بلا سجود، رأهم في وضعهم الطبيعي، ثم رآهم في حالة السجود، لأنك لا تعرف الشمس مثلا ساجدة إلا إذا عرفتها غير ساجدة ثم طرأ عليها السجود. إذن: لابد من تكرار الفعل هنا مرة لغير السجود، ومرة أخرى للسجود، يعني فوجىء بها تسجد، ولو قال: رأيتها ساجدة بداية لقلنا: كيف؟ لأن السجود لا يكون إلا بحركة ساكن وتحرك بالسجود. إذن: الحق سبحانه لا يضع لفظا إلا لغاية ومعنى، وللقطة لابد منها. ولما قص يوسف على أبيه هذه الرؤيا قال:

قال يبني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا..

[يوسف: 5] لأن سيدنا يعقوب عليه السلام علم أن هذه الرؤيا تعني علو شأن يوسف على إخوته، وإذا كانوا قد حقدوا عليه لاهتمام أبيه به أو منحه بعض العطف أكثر منهم. فكيف إذا قص عليهم هذه الرؤيا؟ كيف إذا عرفوا أن الملأ الأعلى من المخلوقات سجدوا له؟ كذلك هنا رؤيا ﴿ لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق.. ﴾ [الفتح: 27] فكأن سيدنا رسول الله قد رأى رؤيا هي ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون.. ﴾ [الفتح: 27]. وقد قص رسول الله هذه الرؤيا على أصحابه، فاطمأنوا إلى دخولهم مكة وآداء العمرة، كذلك لما منعهم سفهاء قريش من دخول مكة تعجبوا واعترضوا على منعهم من الدخول. وسيدنا عمر يقول لسيدنا رسول الله: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعط الدنية في ديننا؟ صحيح هم على الحق وجاءوا على شوق للبيت، لكن إن دخلوا مكة غصبا ودون رضا أهلها ستقوم بينهم معركة.

وقلنا: إنها ستصيب جماعة من المسلمين في مكة لم يعلنوا عن إسلامهم كما ذكر في الآية السابقة. لذلك قال الحق سبحانه بعدما ﴿ فعلم ما لم تعلموا.. ﴾ [الفتح: 27] فالحق سبحانه أخبر نبيه بالرؤيا وصدقها في الواقع، لكن لم تحدث بعد، لأن الله يعلم من واقع الأمر ما لا تعلمون، لذلك أجل العمرة هذا العام، وجعل الرسول يعقد معاهدة الصلح بينه وبين كفار مكة على أن يؤدوا العمرة العام المقبل. واقرأ قوله تعالى: ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله.. ﴾ [الفتح: 27] ولم يحدد لها زمنا، فلو قال قائل مثلا: ألم تقل أننا سنؤدي العمرة وندخل المسجد الحرام يقول له: ليس بالضرورة هذا العام. والمتأمل في ألفاظ الآية يجدها تدل على هذا المعنى، وأن العمرة لن تكون هذا العام، نفهم هذا من معاني الكلمات ﴿ لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين.. ﴾ [الفتح: 27]. فلو دخلتم دون إذن قريش ورضاها لن يتحقق لكم هذا الأمن، فسوف يقاتلونكم ويعتدون عليكم، حتى لو سمحوا لكم بالدخول فلن يتحملوا رؤيتكم وأنتم تطوفون بالبيت، وسوف تأخذهم حمية الجاهلية لابد. ثم قال: ﴿ محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون.. ﴾ [الفتح: 27] وهذا أمن آخر بعد أداء العمرة، لأن قريشا كانت إذا دخل أحد الحرم لنسك لا يتعرضون له، لكن يعتدون عليه بعد أن يفرغ من نسكه. فقوله ﴿ لا تخافون.. ﴾ [الفتح: 27] دل على أنهم آمنون في بداية العمرة وفي نهايتها، وهذا لا يتوفر لهم إلا إذا دخلوا برضا قريش وإذنها. كلمة ﴿ الرءيا بالحق.. ﴾ [الفتح: 27] الحق هو: الشيء الثابت الذي لا يتغير، فما دام أن الله أراه الرؤيا فلا بد أن تصدق في الواقع، لأن رؤيا الأنبياء حق، ونبوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأت أول ما بدأت بالرؤيا الصادقة، وقد مكث رسول الله في مرحلة الرؤيا هذه ستة أشهر. فإذا ما قارنا بين هذه المدة وبين مدة 23 سنة هي عمر بعثته صلى الله عليه وسلم وجدناها 1/46، لذلك ورد في الحديث الشريف

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٥٧