تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

48.29

﴿ محمد ﴾ اسمه صلى الله عليه وسلم ﴿ رسول الله.. ﴾ [الفتح: 29] وصفه الجديد، لأننا عرفنا محمدا أولا قبل أن يكون رسول الله، ومحمد من الحمد يعني أن الناس تحمده وقد حمده قومه منذ صغره، وقالوا: الصادق الأمين. فقد كانت سيرته وماضيه بينهم يدل على هذه الصفات، وعلى أنه شخص مميز بين أقرانه وأنه غير عادي. وقد أجمعوا على ذلك حتى قبل الرسالة، وكانوا يرون في طفولته أنه لم يصب بشيء من لوثة الطفولة ولهوها ولعبها، رأوا أنه كان يرعى الغنم وكان مثله من الفتيان الذين يرعون الغنم في البادية ينزلون بالليل إلى مكة يحضرون سهرات اللهو. أما هو فقد فكر مرة في أن ينزل معهم، فلما ذهب معهم إلى هناك أخذه النوم، فلم يستيقظ إلا بعد أن انفض السامر. فكأن الله عصمه ونزه سمعه وبصره أن يسمع أو يرى شيئا من هذا، أما رفاقه فقد تعجبوا لأنهم لم يروه بينهم، لذلك أصبح مأمونا عندهم، ولما لم يجربوا عليه كذبا قط أصبح جديرا بأن يقولوا عنه: الصادق الأمين. وفي يوم من الأيام اجتمع الصبيان لحمل حجر ثقيل يلعبون به، فلما ثقل عليهم شمروا ثيابهم حتى لايؤثر الحجر في أكتافهم، وكان معهم رسول الله فأمسك بثوبه، وأراد أن يفعل مثلهم، فسمع صوتا يقول له: عورتك يا محمد، فكان هو الوحيد الذي لم يكشف عن عورته. وقد لاحظوا عليه ذلك قبل سن التمييز، فأخذوا عنه فكرة أنه مهيأ من ناحية أخرى، ثم عرفوا سداد رأيه وحسن تفكيره في مسألة وضع الحجر الأسود في مكانه، حينما اختلفت قبائل قريش من ينال شرف وضع الحجر في مكانه حتى كادوا أن يتقاتلوا، ثم قالوا: نحكم أول داخل علينا. فكان محمد الصادق الأمين الذي لا يختلف على أمانته اثنان، فأخذ رداءه ووضع عليه الحجر، وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف منه، حتى إذا ما وصلوا به إلى موضعه من الكعبة حمله ووضعه في مكانه، وهكذا انتهى الخلاف الذي أثار حفيظة القوم. فقوله تعالى: ﴿ محمد.. ﴾ [الفتح: 29] أي: هذا الذي تعرفونه وتعرفون صدقه وأمانته وكرم أخلاقه، هذا الذي لبث بين ظهرانيكم أربعين سنة هو رسول الله الذي اختاره الله للرسالة. إذن: أنتم شهدتم له قبل أن أرسله إليكم، وما دام قد شهدتم له بالخلق الجميل وسداد الرأي فواجب عليكم أن تصدقوه. والحق سبحانه وتعالى لم يصف محمدا في ذاته إنما صفى أصوله، وزكاهم بأن عصمهم من السجود للأصنام، وهي عبادة كانت شائعة في هذا الوقت، وقد أجمعوا على أن أجداده لم يسجد أحد منهم لصنم. لذلك جاء في الحديث الشريف:

" ما زلت أتنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات "

أي: أنه صلى الله عليه وسلم جاء من نسل طاهر لم يخالطه شيء من سفاح الجاهلية. وقصة أبيه عبد الله مع زينب الخثعمية معروفة في الجزيرة العربية كلها خاصة في مكة، حيث رأت فيه جمالا وجلالا فعشقته حتى راودته عن نفسه، وعندها قال الأبيات المشهورة:

أما الحرام فالممات دونه

والحل لا حل فأستبينه

يحمي الكريم عرضه ودينه

فكيف بالأمر الذي تبغينه؟

فلما تزوج عبد الله من آمنة بنت وهب وحملت في رسول الله انتقل إليها هذا النور الذي كان في وجه عبد الله، فلما رأته الخثعمية بعد ذلك قالت: وماذا أفعل به وقد ذهب النور الذي كان في وجهه؟ وهذا يعني أن الحق سبحانه وتعالى صنع محمدا على عينه، وحماه من سفاح الجاهلية، وحماه في كل مراحله. وبعد ذلك مات أبوه واسترضع في بني سعد، ورأت له مرضعته كثيرا من الكرامات والمعجزات، فلما قالت لإخوته في الرضاعة: احموا محمدا من حر الشمس. فقالوا: والله يا أماه ما نجده أبدا في حرها، لأنه إذا سار نرى فوقه غمامة تظلله. إذن: شهد له في ذاته، وشهد له في آبائه، علم الجميع أنه مؤيد من أعلى. فقوله تعالى: ﴿ محمد رسول الله.. ﴾ [الفتح: 29] يعني أنه اختار الرسول على وفق رأيكم، فإياكم أن تكذبوه، ومحمد هنا مبتدأ مخبر عنه بقوله: ﴿ رسول الله.. ﴾ [الفتح: 29]. أي: أن محمدا المعروف لكم هو رسول الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فكان الواجب ساعة يرسل إليكم أن تؤمنوا به وأن تصدقوه. والحق سبحانه وتعالى لما أيد محمدا بالمعجزات أيده بمعجزة عقلية، وفرق بين معجزة عقلية ومعجزة كونية، فالمعجزة الكونية تقع مرة احدة، كما رأينا في قصة سيدنا عيسى عليه السلام، وأنه كلم الناس في المهد، ولم ير هذه المعجزة سوى القوم الذين حضروها وعاينوا هذا الموقف. أما بالنسبة لنا فهو خبر نصدقه ونؤمن به، لأن القرآن أخبر به. أما محمد فرسالته عامة وخاتمة للرسالات إلى قيام الساعة، إذن: فمعجزته يجب أن تتناسب مع عمومية الرسالة، يجب أن تكون معجزة خالدة باقية لا تنتهي بانتهاء الموقف. لذلك جاء القرآن معجزة باقية ببقاء الرسالة إلى قيام الساعة، فمنذ نزلت الرسالة ونحن نقرأ ﴿ محمد رسول الله.. ﴾ [الفتح: 29] وستظل تقرأ إلى قيام الساعة، محمد رسول الله بدليل هذا القرآن المعجز. لذلك قال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٦٠