تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

[الحجر: 9] فتولى الحق سبحانه بنفسه حفظ القرآن على خلاف الكتب السابقة عليه، حيث وكل الله حفظها إلى أهلها ومن آمن بها.

والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله..

[المائدة: 44] ومعنى

استحفظوا..

[المائدة: 44] أي: طلب منهم حفظها تكليفا من الله، والتكليف عرضة لأن يطاع ولأن يعصى، وقد رأيناهم لم يحافظوا بل بدلوها وغيروها ونسوا الكثير منها.

أما القرآن فهو كما هو منذ أنزله الله على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن الله حفظه بحفظه، ولم يأتمن على ذلك البشر. ومن مظاهر حفظ الله للقرآن أن يسخر له من يخدمه حتى ممن لا يؤمنون به، فكثير ممن يقومون على طباعة القرآن وزخرفته الآن من غير المسلمين، وقد رأينا الرجل الألماني الذي طبع القرآن كله في صفحة واحدة مع أنه لم يفعل هذا في الإنجيل وهو كتابه. إذن: نقول أن ماضي رسول الله بين قومه أهله لمهمة الرسالة، لذلك الذين استقبلوا خبر بعثته صلى الله عليه وسلم سارعوا إلى تصديقه قبل أن يسمعوا من القرآن آية واحدة، لماذا؟ لأنهم أخذوا الدليل على صدقه من ماضيه فيهم، فما جربوا عليه كذبا قط، والذي لا يكذب على الناس من باب أولى لا يكذب على الله رب الناس. ومثل هذا الموقف رأيناه أيضا من الصديق أبي بكر في حادثة الإسراء والمعراج، فلما بلغه أن رسول الله يدعي أنه أسري به قال: إن كان قال فقد صدق. أما المعجزة فقد جاءت لمن كذب وأنكر رسالته صلى الله عليه وسلم، جاءت لمن لم يؤمن ولمن اتهم القرآن بأنه كذب وافتراء، فجاء ليقول لهم ﴿ فأتوا بسورة مثله.. ﴾ [يونس: 38] أي: مفتراة. وقوله: ﴿ والذين معه.. ﴾ [الفتح: 29] أي: آمنوا به وأصلحوا في معيته البشرية والمنهجية، وهؤلاء وصفهم بأنهم ﴿ أشدآء على الكفار رحمآء بينهم.. ﴾ [الفتح: 29] إذن: جمعوا بين الشيء ونقيضه، بين الشدة والرحمة. وهذا دليل على أن المؤمن ليس له طبع واحد يحكمه، إنما يتغير تبع التكليف الذي يأتيه من ربه عز وجل، فمع الأعداء تجده قويا شديدا عليهم، يريهم أن قناة المؤمن لا تلين، أما مع إخوانه المؤمنين فهو رحيم بهم شفيق عليهم. وفي موضع آخر عبر القرآن عن هذا المعنى، فقال:

أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..

[المائدة: 54] فالمنهج الإيماني هو الذي يحكم سلوك المؤمن ويوجهه، وهذا ما رأيناه بالفعل في تصرفات كل من الصديق أبي بكر والفاروق عمر. فأبو بكر مع ما عرف عنه من اللين والرحمة لما جاءت مسألة الردة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيناه يخرج عن هذا الطبع اللين، ويكون في أشد ما يمكن. ويقول لعمر: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم عليه، وينهر عمر ويقول له: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام. والمتأمل في مسألة الردة يجد أنها تحتاج إلى قسوة وحزم، وإلا انتشرت خاصة بين ضعاف الإيمان، والناس ما يزالون حديثي عهد بالدين، وهذا ما أخرج أبا بكر من طبع اللين إلى طبع الشدة.

وقوله تعالى: ﴿ تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا.. ﴾ [الفتح: 29] فهم مع هذه الشدة على الكفار تراهم ركعا سجدا، والركوع والسجود مراحل لإظهار العبودية الكاملة لله تعالى، فالركوع تنحني بقامتك لله، والسجود أعظم من الركوع حيث تخر إلى الأرض وتضع جبهتك، وهي أشرف موضع فيك على الأرض تواضعا وتذللا لله وخضوعا له سبحانه. لذلك قلنا: في الركوع والسجود كمال العبودية لله، وهذا فهمناه من قول إبليس الذي حكاه عنه القرآن:

ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم..

[الأعراف: 17]. فلم يذكر باقي الاتجاهات أعلى وأسفل، لماذا؟ لأن الأعلى يمثل علو الألوهية، حين نرفع أيدينا بالدعاء، والأسفل يمثل ذل العبودية حينما تسجد الجباه، وتخضع لله تعالى، لذلك لا يأتي الشيطان من هذين. وقوله تعالى: ﴿ يبتغون فضلا من الله ورضوانا.. ﴾ [الفتح: 29] هذه هي علة كونهم أشداء على الكفار ورحماء بينهم، وكونهم يحافظون على الركوع والسجود، أي: يفعلون هذا ابتغاء فضل الله وطمعا في رضوان الله عنهم. وهذا قمة الإخلاص في الأعمال، فهدفهم من العمل وجه الله لا ينظرون إلى غيره، لماذا؟ لأنهم يحسبون حساب هذا اليوم الذي سيقفون فيه أمام الله، ولا يجدون غير الله يحاسبهم ويجازيهم. لذلك قلنا في العلماء والمخترعين الذين خدموا البشرية بأعمالهم الحسنة ومع ذلك لا نصيب لهم في الآخرة، لأنهم ما عملوا لله إنما للبشرية وللحضارة. لذلك قال الله عنهم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٦١