إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. ومعنى الهداية في ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها.. ﴾ [السجدة: 13] أي: هدى المعونة، وإلا فقد هدى الله جميع الناس هدى الدلالة على طريق الخير، فالذي اخذ بهدى الدلالة وقال على العين والرأس يأخذ هدى المعونة، كما قال سبحانه:
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم
[محمد: 17]. ولكي نفهم الفرق بين الهديين، اقرأ:
وأما ثمود فهديناهم..
[فصلت: 17] أي: دللناهم وأرشدناهم
فاستحبوا العمى على الهدى..
[فصلت: 17]. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ [السجدة: 13]. الحق سبحانه يريد أن يثبت لخلقه أنه هو الأولى بالحكمة في الخلق، بدليل أن الذي يشذ عن مراد الله لا بد أن يفسد به المجتمع، كما نرى المجتمعات تشقى بكفر الكافر، وبعصيان العاصي. والحق سبحانه يترك الكافر يكفر باختياره، والعاصي يعصي باختياره ليؤذي الناس بإثم الكافر وبإثم العاصي، وعندها يعودون إلى تشريع الله ويلجئون إلى ساحته سبحانه، ولو أن الناس عملوا بشرع الله ما حدث فساد في الكون ولا خلل في حياتهم أبدا. لذلك نفرح حينما ينتقم الله من أهل الكفر ومن أهل المعصية، ونقول: الحمد لله الذي أراح منهم البلاد والعباد. إذن: مخالفة منهج الله في القمة كفرا به سبحانه، وفي غيرها معصية لأمره هو الذي يبين مزايا الإيمان وحلاوة التشريع. وقلنا: إن التشريع يجب أن يأخذه المكلف أخذا كاملا بما له وبما عليه، فالله كلفك ألا تسرق من الناس، وكلف الناس جميعا ألا يسرقوا منك. ومعنى { ولكن حق القول مني.
. } [السجدة: 13] أي: وقع وثبت وقطع به، ويأتي هذا المعنى بلفظ سبق، كما في
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين
[الصافات: 171] وفي قصة نوح عليه السلام:
فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول..
[المؤمنون: 27]. وقال تعالى حكاية عن الكفار في حوارهم يوم القيامة:
فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون
[الصافات: 31]. ومعنى ﴿ لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ [السجدة: 13] عرفنا أن الله تعالى خلق الجنة، وخلق لها أهلا يملأونها، وخلق النار وخلق لها أهلا يملأونها، فليس فيهما أزمة أماكن، فالجنة أعدت لتسع جميع الخلق إن آمنوا، وكذلك النار أعدت لتسع الخلق جميعا إن كفروا. لذلك حين يذهب أهل الجنة إلى الجنة يرثون أماكن أهل النار فيها، كما قال سبحانه:
ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون
[الأعراف: 43]. والجنة: أي الجن والعفاريت. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فذوقوا بما نسيتم... ﴾.