وبقتلهم لهذا الراعي تحققت الحرابة ، والحرابة كما يسميها العلماء جريمة من الجرائم ، تتضمن حداً من الحدود الشرعية ، قال بعض العلماء : إنها مأخوذة من الحرب ضد السلم ، وقال بعضهم : إنها مأخوذة من الحَرَب والمراد بذلك السلَب ، يقال فلان محروب إذا سلب ماله ، وكلا الوجهين صحيح .
فالحرابة تتضمن المحاربة ، وحقيقة المحاربة لها صورتان :
الصورة الأولى : أن تكون في البراري خارج المدن .
والصورة الثانية : أن تكون داخل المدن والقرى .
فأما الحرابة خارج المدن فمثالها هذا الحديث ، وذلك أن الراعي كان خارج المدينة ، ووقع الاعتداء عليه خارج العمران ، فإذا وقعت الحرابة خارج المدن فبالإجماع أنها حرابة إذا استوفت بقية الشروط .
وأما إذا وقعت داخل المدن فللعلماء فيها قولان مشهوران :
منهم من يقول : إن الحرابة لا تقع إلا خارج المدن وأما داخل المدن فلا .
ومنهم من يقول : إن الحرابة تقع داخل المدن كما تقع خارج المدن ، وصورة ذلك بالأفراد والجماعات ، فأما بالنسبة لصورة الجماعات مثل ما يوجد في زماننا من العصابات ونحوها ، فالجريمة المنظمة من خلال العصابة تعتبر حرابة إذا دخل أصحابها إلى المدن ، وأشهروا السلاح ، وأخافوا الناس ، وأدخلوا الرعب ، وهكذا إذا انتهكوا الأعراض ، أو سفكوا الدماء ، ولذلك قال بعض السلف : لو أشهر أحدهم السلاح على رجل في زقاق ونحوه ، وهدده على ماله ، أو عرضه ، أو نفسه فهو محارب ، وحكمه حكم المحارب سواء بسواء ، وهذا القول هو الصحيح أن الحرابة تقع داخل المدن كما تقع خارج المدن ، وبناءً على ذلك فإنه إذا نظمت جريمتها ، وأشهر السلاح فيها ، استوى أن تقع داخل المدن ، أو خارجها ، كأنها حرابة بمجرد حمل السلاح ؛ لأن النبي-- صلى الله عليه وسلم --قال :(( من حمل علينا السلاح فليس منا)) ، فهؤلاء المحاربون الذين وقع منهم قتل راعي النبي-- صلى الله عليه وسلم -- وقعت حرابتهم خارج المدن .