والصورة الثانية : أن يقتل الواحد الجماعة وحينئذٍ لا إشكال ؛ لأنه في كلتا الصورتين يقتل القاتل وجهاً واحداً عند العلماء - رحمهم الله - ؛ لأنه في الصورة الأولى نفس في مقابل نفس ، وأما في الصورة الثانية فنفس لقاء أنفس ، وذلك أن النفس استحقت القتل بنفس واحدة من الأنفس التي أزهقتها ، ولكن الإشكال في الصورة الثالثة أن يجتمع جماعة ويقتلون بريئاً بدون حق ، ويكون قتلهم مستوفياً لشروط العمد العدوان فهذه الصورة يسميها العلماء قتل الجماعة للواحد ، ويقع ذلك في العصابات ونحوها ، أن يتمالأ جماعة على نفس محرمة من الذكور أو الإناث ، فيقدمون على إزهاقها على صورة العمد .
وقد اختلف العلماء -رحمهم الله - هل يقتص من الجماعة أو لا ..؟؟
فمذهب جمهور العلماء -رحمهم الله- أن الجماعة إذا قتلوا الواحد أنهم يقتلون ، وهذا هو قضاء أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب-رضي الله عنهم أجمعين - فقد وقع في زمانه أن جماعة قتلوا واحداً ، ووقع ذلك باليمن ، ورفعت القضية إلى عمر بن الخطاب-- رضي الله عنه -- إبان خلافته في المدينة فأمر -- رضي الله عنه -- بقتلهم أجمعين ، وقال كلمته المشهورة : " والله لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به " فدل هذا على أن الجماعة يقتلون بالواحد ، وهذا هو المذهب الصحيح ؛ وذلك أن أصول الشريعة دالة على أن من قتل يقتل ، وأن النفس تقتص بالنفس ، وهؤلاء الجماعة كل واحد منهم يعتبر قاتلاً ؛ لأن فعله يفضي إلى القتل فاستوى أن يكون الإزهاق بواحد منهم أو بجميعهم .
وإذا وقع قتل الجماعة للواحد فلا يخلو من صور :
الصورة الأولى : أن يتفق الجماعة على طعن المقتول ، أو ضربه ضربة تفضي به إلى القتل ، مثال ذلك أن يتفق اثنان أو ثلاثة على قتل معصوم ، فيطعنه أحدهم من وجهه ، ويطعنه الثاني من وراء ظهره ، ويطعنه الثالث من جنبه ، فهذه الطعنات الثلاث كلها قاتله ، وحينئذٍ لا إشكال في القصاص منهم أجمعين .