من الكبير ؛ لأن ذلك الزمان كان الكبار يعطفون على الصغار ، فقد أدركنا وإن كان الذي هو أكبر منا سناً قد أدرك ما هو أفضل مما أدركناه وأكمل مما أدركناه ، كان الرجل الكبير إذا رأى الغلام والصغير مسح برأسه ، ودعا له بالخير وتمنى له الخير ، لا زلت إلى يومي هذا أتذكر كبار السن من أهل العلم وغيرهم من أهل الفضل من عوام الناس من كان يدنيني ويمسح برأسي والله ما ذكرته الآن وهو ميت إلا ترحمت عليه ودعوت له ؛ لأن هذا المسح له معنى ويدل على أننا أمة واحدة ، وعلى أن ابن هذا ابن لهذا ، وعلى أننا كالجسد الواحد وأنه لا فرق بين الواحد والآخر من شدة التعاطف والتراحم ، قال-- صلى الله عليه وسلم -- :(( مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى )) فكان الرجل يدنيني ويمسح برأسي فيسألني عن اسمي ولربما سأل عن والدي فإذا علم دعا وقال كن مثل أبيك فدعا لي خير ، فتجده ولو كان عامياً لا يستطيع أن يعلم ويوجه إذا به يقول كن كأبيك ، كن مثل فلان هذه دعوة وهذا وهذا إصلاح وشحذ للهمة إلى الخير ، فالإنسان لا يبخل على أولاده ولا يبخل على أولاد المسلمين ، كفى من العناية بالأولاد في مظاهرهم وفي دنياهم ولم تعتن لهم في دينهم وتوجيههم وتعليمهم وإرشادهم :﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾(1) الأبناء والأولاد أول ما يحتاجون إلى أخلاقك وإلى معاملتك الحسنة ، وثق ثقة تامة أن للأبناء من النظر والبصيرة ما قد لا تستطيع في بعض الأحيان إدراك عمقه ، فإن الصبي إذ جئت تدله عل خير أول ما ينظر إلى أفعالك معه فإن كان وجدك إنساناً يستقيم قولك مع فعلك أحبك وأكرمك وعمل بما تقول ورد عليك الرد الحسن ، ولكن إذا كان الوالد من أفظع الناس ومن أخشن الناس ومن أسوئهم خلقاً مع زوجته ولربما يضرب الزوجة أمام أولادها ولربما يشتمها أو يعيبها أو يذكر مثالبها
(1) / التحريم ، آية : 6 .