النوع الثالث من التطهير : أن يكون التطهير بالمكاثرة وصب الماء ، ويأتي ذلك في أحوال مخصوصة وهي الأحوال التي يتعذر فيها غسل الشيء ، مثال ذلك الأرض فإنه إذا بال أحد على الأرض فإنك لا تستطيع أن تصب الماء على التراب وتعصر التراب حتى تخرج منه النجاسة ؛ فلذلك خفف فيه فأمر بصب الماء ، فتقدر قدر البول ثم تصب ذنوب الماء ونحوه على ذلك البول ، فإذا صببت الماء وكاثرته على النجاسة بشكل يغلب على ظنك أنه قد أزالها فإنه يجزيك ذلك ويعتبر مطهراً لذلك المكان ، سواء كان من الأرض اليابسة أو كان من الأرض الندية التي تشرب البول ، وفي حكم الأرض أن يكون البساط يصعب قلعه وهكذا بالنسبة للبلاط ونحوه في زماننا ، فمثل ذلك يصب إنسان الماء عليه ويكاثر حتى يغلب على ظنه أنه قد استهلكت مادة البول وزال الشيء النجس ، وفي حكم ذلك تطهير الوعاء المتنجس ، قال العلماء : لو أن الإنسان كان عنده سطل ماء وهذا السطل وقعت فيه نجاسة فغيرته ، قالوا فلو صب عليه أضعافه من الماء الطهور فإنه يصير ذلك الماء طهوراً ؛ والسبب في ذلك أن كثرة الماء توجب استحالة مادة النجاسة وغلبتها ، والحكم متعلق بالنجاسة فإذا زالت زال حكمها ، وبناء على ذلك قالوا إن المكاثرة تعتبر من أنواع إزالة النجاسة .
النوع الرابع من إزالة النجاسة : أن يكون ذلك باستحالة مادة النجاسة ، وصورة ذلك في الخمر فإن الخمر إذا تخللت فإنها تصير طاهرة ويجوز أكلها ؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي -- صلى الله عليه وسلم -- أنه قال : (( نعم الإدام الخل)) والخل بإجماع العلماء إنما أصله من الخمر ، فإذا تخللت الخمر وصارت إلى الخل بنفسها فإنها تعتبر طاهرة ، ويصير الخل خمراً بصورتين :
الصورة الأولى : أن يخللها الإنسان . والصورة الثانية : أن تتخلل بنفسها .
فإذا خللها الإنسان فإنها تبقى نجسة على أصلها ، ولا يجوز تخليل الخمور .