يقول أبو هريرة -- رضي الله عنه -- أن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- قال :(( لايبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه)) قوله - عليه الصلاة والسلام-:(( لايبولن )) يعتبر نهياً والنهي محمول على التحريم والأصل النهي في الكتاب والسنة أنه محمول على التحريم حتى يدل الدليل على غير ذلك وقد اختلف العلماء في قوله - عليه الصلاة والسلام -:(( لايبولن )) ، فقال جمهور العلماء - رحمهم الله- بالتفصيل فإن كان الماء قليلاً فالنهي للتحريم ، وأما إذا كان الماء كثيراً مستبحراً فالنهي للكراهة لا للتحريم وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة - رحمة الله على الجميع - وذهب داود الظاهري وأصحابه وطائفة من أهل الحديث إلى أن البول في الماء الدائم يعتبر حراماً سواء كان الماء الدائم كثيراً أو قليلاً وحملوا النهي على ظاهره لأنه الأصل .
والصحيح ماذهب إليه جمهور العلماء من النهي في هذا الحديث فيه تفصيل فإن كان الماء قليلاً فإنه على التحريم ، وأما إذا كان كثيراً يحتمل الخبث منه محمول على الكراهة والدليل على ذلك أن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- خص النهي بالماء الدائم الذي لايجري ، وهذا يدل على أن الماء الذي يجري يجوز البول فيه لأن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- فرق بين الذي يجري والذي لايجري كما ثبتت بذلك الأحاديث والروايات في الصحيحين وغيرهما ، وإذا كان حكم الشريعة بالتفريق بين الجاري وغير الجاري فإننا نفهم من ذلك أن هناك علة اقتضت تفريق الحكم ومن هنا قالوا إن الجاري يحمل الخبث ويدفع التغير بخلاف الدائم الذي لايجري فإنه ضعيف ، وهذا يدل على أن علة التحريم إنما هي خوف إفساد الماء وإذا كان الأمر كذلك فرقنا بين القليل والكثير ولكن مع ذلك ينبغي للمسلم أن يحتاط وأن يبتعد عن هذا الفعل المشين من أذية إخوانه المسلمين ، ولو فتح الباب للبول في الماء الراكد فإنه مظنة التغير حتى ولو كان كثيراً كما لايخفى.