الجواب الثاني : وهو أقوى الجوابين ، أن الرياح تتحرك فتلقي في البئر هذه القاذورات ، وهذا هو أقوى الوجهين والجوابين ؛ لأن البئر لا تخلو من وجود أصحاب لها يقومون عليها ، ولذلك يقوى أن يقال بأن تحرك الرياح يوجب سقوط هذه القاذورات في البئر ، كما هو أمر معروف معهود .
ومن هنا اشتكى أصحاب النبي-- صلى الله عليه وسلم -- من هذا الماء هل يجوز لهم أن يتوضئوا ويغتسلوا به أم أنهم يتركوه لشبهة النجاسة الواقعة فيه ، فقرر-صلوات الله وسلامه عليه- الأصل الشرعي أن الماء طهور حتى يتغير أحد أوصافه ، فبين-عليه الصلاة والسلام- : (( أن الماء طهور لا ينجسه شيء)) .
وقد استدل بهذه الجملة فقهاء المالكية والظاهرية-رحمة الله على الجميع- أننا لا نحكم بنجاسة ماء ولا بخروجه عن الأصل إلا إذا تحققنا من كونه نجساً ، أو كونه طاهراً متغيراً بطاهرٍ كزعفران وورد ونحو ذلك ، أما إذا وقعت النجاسة في الماء ولم تغير أحد أوصاف الماء فإنه طهور .
وخالف في ذلك فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة-رحمة الله على الجميع - فقالوا إن الماء يفرق فيه بين القليل والكثير ، فما كان من الماء قليلاً ووقعت فيه ولو قطرة من البول والنجاسة فإننا نحكم بنجاسته ، حتى ولو لم يتغير أحد أوصافه ، واختلفوا في ضابط القليل والكثير ،-وسيأتي بسط هذه المسألة في حديث القلتين إن شاء الله تعالى-.
وقد ترجّح مذهب المالكية والظاهرية وطائفة من أهل الحديث ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم-رحمة الله على الجميع - أن العبرة في الماء بالتغير ، فإن تغير أحد أوصافه حكمنا بكونه منتقلاً إلى حكم ما غيّره فإن تغير بشيء طاهرٍ قلنا إنه طاهر ، كأن يلقى فيه الورد والزعفران فيصبح لون الورد والزعفران أو طعمه أو ريحه في الماء ، فحينئذ نقول إنه ماء طاهر وليس بماء طهور ؛ لأنه خرج عن كونه طهوراً بالإضافة والقيد .