أما بالنسبة للمد فقد ضبطه العلماء -رحمهم الله - بقولهم : هو ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين ، فلو أن إنساناً جعل الطعام في كفيه ، وكانت الكفان متوسطتين في الحجم لا كبيرتين ولا صغيرتين ولا مقبوضتين ولا مبسوطتين ، فإن هذا القدر من متوسط الخلقة يملأ مد النبي-- صلى الله عليه وسلم -- .
وقد ذهب بعض العلماء إلى تقدير المد والصاع بالوزن ، وهذا التقدير ضعفه العلماء ؛ لأن المكيلات لا تنضبط بالوزن ، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن قدامة-رحمة الله عليه- في كتابه المغني ، ونص العلماء في الربويات على تحريم بيع المكيلات بالوزن ، وتحريم بيع الموزونات بالكيل ؛ لأن كلا منهما لا يضبط الآخر، ولو قال قائل : إن الصاع النبوي يعادل قدراً معيناً من الغرامات فإن هذا القدر يختلف باختلاف الطعام ، فلو قيل من التمر فإن التمر لا ينضبط فهناك تمر ثقيل وهناك تمر خفيف ، وهكذا بالنسبة للحبوب والثمار فامتنع السلف-رحمة الله عليهم- من ضبط الصاع والمد بالوزن ، ولذلك ضبطوه بالصورة فقالوا هو ملء الكفين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين.
وأما بالنسبة للصاع النبوي فالصاع النبوي يعادل أربعة أمداد ؛ ولذلك يسمى المد بربع الصاع ، ويسمى بالصاع الصغير ، والصاع هو الذي كان النبي - - صلى الله عليه وسلم -- يغتسل به ، وأما بالنسبة للمد الذي ورد في حديثنا فإنه أقل ما ورد عن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- من جهة الكيل التام ، أما بالنسبة لثلثي المد فقد ورد عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه توضأ به .
وقد استدل بهذا الحديث بعض فقهاء المالكية -رحمة الله عليهم- على أنه لا يجوز الوضوء بأكثر من المد ؛ لأن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- توضأ بالمد فلا يجوز لأحد أن يزيد عليه .