تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومثال ذلك : أن يكون في شدة البرد والماء بارد فإن إسباغ الوضوء في هذه الحالة فيه أذية عليه ويعتبر مكروهاً إلى النفس بالجبلة والطبيعة فإذا أراد الإنسان أن يصب الماء على وجهه أو على يديه فإن هذين العضوين يتضرران ويجد الإنسان الأذى من تضررهما بسبب برد الماء وحينئذٍ إذا بالغ فتوضأ ثلاثاً كان ذلك من أصدق الدلائل على حبه في الخير وحرصه على هذه الطاعة الفاضلة ومن المكاره أن يكون الإنسان مستعجلاً لحاجة من حوائجه الدنيوية فيمتنع إلا أن يثلث وضوءه وذلك أن حوائجه الشخصية تدعوه إلى أن يقتصر على المرة الواحدة فيمتنع ويكرر الوضوء ثلاثاً فيتأخر عن حاجته ، ويستثنى من ذلك أن يكون هناك فضيلة هي أعظم من فضيلة التثليث في الوضوء كأن يطلبه الوالد أو الوالدة فحينئذٍ الأفضل له أن يبر والديه وهو أفضل من اسباغه للوضوء لأن مبادرته ببر الوالدين من أعظم القربات وأشرف الطاعات فحينئذٍ يسقط التثليث ويقتصر على الإجزاء .

ومن حالات المكاره أن يكون الماء عزيزاً على الإنسان فيتوضأ به مرة واحدة فيجزئه أن يتوضأ منه المرة الواحدة فيصر على التثليث وفي تثليثه تكلف لمشقة الماء فيثلث ومن حالات المكاره أن يكون الماء بعيداً عنه فيحرص على الذهاب والوضوء من البئر في وقت ليس فيه صلاة فيتوضأ ويكون على طهارة كل ذلك من إسباغ الوضوء على المكاره وذلك أن المكلف بفعله للوضوء على هذا الوجه صدقت رغبته ونيته في ما عند الله من الأجر والمثوبة ، ولذلك كان السلف الصالح -رحمة الله عليهم - يشيدون بهذه المنزلة العظيمة- أعني اسباغ الوضوء على المكاره- وكان الرجل تحضره الوفاة فيبكي وإذا سئل عن البكاء لم يذكر الدنيا وزينتها ، وإنما يتذكر لذة الوضوء في الليلة الشتاية الباردة ، وذلك من أثر ما يجد من طاعة الله وحلاوة محبته ومرضاته بالحرص على الخير .

شرح سنن الترمذي · الصفحة ٦٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح سنن الترمذيص ٦٧٣