وهناك وجه رابع ذكره العلماء-رحمهم الله-في تفسير هذا الحديث أن المراد بالنضح أن يجمع بين الماء والحجارة وصورة ذلك إذا استجمر بالحجارة أن يصب الماء بعدها وذلك أبلغ ما يكون من النقاء والنظافة وهذه الصورة تعتبر من طهارة الأخباث ، وقد نص العلماء -رحمهم الله-على أنها أكمل ما يكون في النقاء والأصل في مشروعيتها قصد الشرع الذي دلت عليه النصوص الصحيحة من الاستبراء قصده والنقاء فقد بينت نصوص الكتاب والسنة أن الشرع يريد طهارة المكلف : ﴿ إنما يريد الله لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾(1) فنص-- سبحانه وتعالى -- على قصده الطهارة من المكلفين ، وقصد الشارع أن يكون فعل المكلف موافقاً لقصده ونظراً لأن طهارة الخبث لا تعتبر من جنس التعبديات التي لا تعقل معانيها أجاز العلماء الجمع بين طهارة الماء والحجارة ولم ينص أحد من العلماء المتقدمين -رحمة الله عليهم-على المنع وحرمة هذا الفعل ، وبناءً على ذلك قالوا إن مقصود الشرع النقاء فإذا جمع المكلف بين الحجارة والماء فلا حرج لأنه ليس من جنس التعبديات التي يقصد بها الاقتصار على الوارد بعينه والدليل على ذلك أن طهارة الخبث لا تشترط لها النية بالإجماع ، ولذلك خرجت من العبادة التعبدية التي لا يعقل معناها وأصبحت من العبادة المعقولة المعنى كما ذكر العلماء -رحمهم الله- والمعنى في الاستنجاء والاستجمار هو النقاء بدليل قوله : (( لا يستبرئ من بوله )) وقوله : (( لا يستنزه من بوله )) فدل على أن مقصود الشرع هو النقاء ، ومن المعلوم أنه لو تطهر بالحجارة أخذ بالرخصة وذلك أنه إذا تطهر بالحجر بقيت فضلة النجاسة في الموضع وبإجماع العلماء أن هذه الفضلة تعتبر مغتفرة فإذا أنال الكمال بإزالتها بالماء خاصة وأن الماء طهارة وردت في الشرع فحينئذٍ ساغ أن يقال بتطهره بالماء كمالاً ، وعلى ذلك نص جمهور العلماء -رحمهم الله- على أن أفضل حالات الاستنجاء الثلاث أن يجمع بين
(1) / الأنفال ، آية : 11 .