الغلبة بالظن برجحان قوله .
كذلك أيضاً لو قال قائل إن استويا في العلم فمذهب بعض الأصوليين أنه ينظر إلى حال العالمين فإن وجد أحدهما أصلح وأتقى لله -- عز وجل -- وأورع وأكثر خشية لله-سبحانه-وأكثر اجتهاداً في العبادة والخير فغلبة الظن بأصابته للحق أكثر من غيره لأن الذي عُلم بالالتزام بالسنة والعبادة والصلاح والخير أقرب لطاعة الله وأقرب للتوفيق من الله -- عز وجل -- من غيره فكانت له مزية فضل أن يتبعه ويرجحه على غيره ، ولهذا أصل فالدليل على الترجيح بهذه المرجحات فعل السلف فإن الصحابة كانوا إذا اختلفوا في أمر من أمور النبي-- صلى الله عليه وسلم --في بيته مع أهله احتكموا إلى أمهات المؤمنين فلما اختلفوا في حديث : (( إنما الماء من الماء)) ووجوب الغسل بمجرد الإيلاج بعث عمر-- رضي الله عنه -- إلى أم المؤمنين عائشة يسألها فذكرت حديثه عليه الصلاة والسلام-: (( إذا التقى الختان فقد وجب الغسل )) فقال عمر من خالف بعد اليوم جعلته نكالاً فجعل الأمر مرده إلى من هو أعلم بالسنة لأن أم المؤمنين في فقها في علم حال النبي-- صلى الله عليه وسلم -- في بيته أعلم ولما رجع إلى أم المؤمنين في علم مسائل السفر كانت تبعث إلى عبدالله بن عمر وكانت ترجع إليه فهذا من باب إنزال الناس منازلهم وهذا هو هدي السلف والأئمة-رحمة الله عليهم- ، حتى كانوا في المناقشات والمناظرات لايعدلون بأقوال الجهابذة وإذا جاء القول عن جهبذ متقن محرر لعلمه قد تفرغ له وبذل له وسعه فلاشك أن غلبة الظن بإصابة الحق فيه أولى ، ولذلك قال الإمام الشافعي -رحمه الله-"رضيت بمالك حجة بيني وبين الله" ، مع أنه في زمان مالك كان هناك أئمة وعلماء ولكنه لما رأى من حب مالك للسنة واتباعه لأثر النبي -- صلى الله عليه وسلم -- وكثرة خشية لله وكثرة عبادته وورعه في المشتبهات غلب ظنه برجحان قوله فرضي به حجة بينه وبين الله.