وأما الدليل الثالث فالأحاديث الصحيحة عن عثمان وعبد الله بن زيد وعلي وعبد الله بن عباس -رضي الله عن الجميع -في صفة وضوئه -صلوات الله وسلامه عليه-حيث ذكروا الغسل ولم يذكروا مسحه -صلوات الله وسلامه عليه- لرجليه ، وإذا ثبت هذا فإن الواجب غسل الرجلين لا مسحهما وأما ما استدلوا به في قوله -سبحانه-:﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بقراءة الجر فيجاب عن ذلك من وجهين :
الوجه الأول : أن الآية احتملت المسح والغسل على التسليم أي نسلم جدلاً أنها مترددة بين المسح على قراءة الجر وبين الغسل على قراءة النصب فرجعنا إلى سنة النبي-- صلى الله عليه وسلم --ولم نجد فيها حديثاً صحيحاً عن رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- أنه اكتفي بالمسح دون الغسل فدل هذا على أن قراءة النصب هي المتعينة وأن الجر محمولٌ على معنى غير ظاهره ، وذلك أن العرب تجر بالمجاورة كما هو معلوم ومنه قول الشاعر :
لعب الزمان بها وغيرَّها بعدي سوافي المور والقطرِ
فقوله"والقطرِ" إنما كان على سبيل الجر بالمجاور وإلا فالأصل يقتضي قوله والقطرُ ، ومن هنا قالوا أن قوله:﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾على الجر بالمجاور وعلى هذا ترجح مذهب أهل السنة والجماعة-رحمة الله عليهم- ، قال ابن أبي ليلى : أجمع أصحاب-- صلى الله عليه وسلم --على غسل الرجلين فدل هذا على أن المراد بالأية الكريمة الغسل ولا شك أن أصحاب النبي-- صلى الله عليه وسلم -- أفقه الأمة وأعلم بالتنزيل ؛ ومراد الله ورسوله-صلوات الله وسلامه عليه-بالنصوص الواردة ولذلك تعين الغسل ، ومن مسح رجله فوضوؤه باطل إلا أن يمسح على الخفين على الصفة التي وردت عن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- أو يمسح على الجوربين .