وقوله -عليه الصلاة والسلام -:((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) : ((إلا أن تكون صائماً)) استثناء والاستثناء في لغة العرب إخراج بعض ما يتناوله اللفظ فلما قال -عليه الصلاة والسلام -:((وبالغ في الاستنشاق)) هذا الأمر منه فيه عموم حيث دل على أن السنة أن يبالغ الإنسان في الاستنشاق سواء كان صائماً أو كان مفطراً ، فقال-عليه الصلاة والسلام-: (( إلا أن تكون صائماً)) أي فلا تبالغ في الاستنشاق وإنما اقتصر على إدخال الماء في الأنف وطرحه بعد ذلك.
وقوله:((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) : فيه مسألتان أصوليتان :
المسأله الأولى : أنه دل دلالةً واضحةً على أنه لا ينبغى للمكلف أن يطلب الفضائل على سبيل يفوت به الفرائض الواجبة أو يطلب الفضائل على سبيل يرتكب به المحارم والمنهيات.
وتوضيح ذلك أن الاستنشاق مندوب اليه والمبالغة في الاستنشاق من السنن والنوافل ، وأما الصيام فان الإمساك فيه واجب على المكلف ، ولذلك لا يشتغل بالسنة على سبيل يفوت به الفرض الواجب عليه ولا يشتغل بالنافلة على وجه يقع فيه بالمحظور ومن هنا فَرَّعوا على ذلك : " أنه إذا تعارض الأمر والنهي قُدِّم النهي على الأمر" وذلك لأن النبى -- صلى الله عليه وسلم -- قال:(( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم فانتهوا)) فجعل مرتبة النهي مقدمة على مرتبة الأمر ، ولذلك قالوا إن المنهيات مقدمة ، وبناءً على ذلك فلا يجوز للإنسان أن يشتغل بالسنة على وجه يضيع به الفرض اللازم أو على وجه يقع فيه المحظور ، ومن أمثلة ذلك أن يكون الإنسان محرماً ويطوف بالبيت العتيق ، ثم يرى على الحجر طيباً فإن الطيب محرم على المحرم فإذا أراد أن يقبل الحجر أو يلمسه فإن لازم ذلك أنه يصيب الطيب ، وحينئذ يصيب سنة بالإخلال بالمنهي فقالوا لا يقبل الحجر ، وإنما يدع الحلال يقبله حتى تذهب المادة ثم بعد ذلك يشرع في التقبيل والاستلام .