وأما الضرب الثاني : وهو أن تكون متركبة عليه ولكنه لا يمكنه أن يرفع الأعلى ولا يمكنه أن يزيله إلا بمشقة وعناء شديد أو لا يمكنه بالكلية لشد العصب ، وحينئذ يكون حكمها حكم الملتصق فلا يجب عليه إلا أن يمر الماء على المناسم الظاهرة ، وأما غيرها فلا يجب عليه كما لو التصقتا ، وبناءً على ذلك يختص الحكم بالفتحات فما كان من الأصابع منفتحاً وجب على المكلف أن يمر الماء فيه سواء كان ذلك بالتخليل إن عجز عن إمراره بدونه أو بدون تخليل إذا أمكنه كأن يغمس رجله في بركة ونحو ذلك .
الجملة الثالثة : قوله -عليه الصلاة والسلام-:((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)) قوله :(( بالغ)) البلوغ هو الوصول ، يقال بلغ المدينة إذ وصلها وقوله- تعالى-:﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾(1) أي لم يصلوا إلى سن الحلم . فالبلوغ هو الوصول وقوله -عليه الصلاة والسلام-:(( وبالغ في الاستنشاق)) الاستنشاق تقدم معناه ، والمراد بقوله :(( وبالغ في الاستنشاق)) : أي اجذب الماء إلى أعلى الخياشيم ؛ والسبب في ذلك أن الشيطان يبيت على خياشيم الإنسان ، ولذلك إذا بالغ فيه كان أمكن لطرده خاصة عند استيقاظه من النوم ، وأما في غير الحالات التي يستيقظ فيها من نومه فإن المبالغة لمكان الأذى والضرر الموجود في الأنف فأمر النبي-- صلى الله عليه وسلم -- بإزالته عن طريق جذب الماء إلى أعلى الخياشيم ثم طرحه بعد ذلك.
وقوله -عليه الصلاة والسلام -:((وبالغ في الاستنشاق)) : ندب واستحباب وليس بحتم ولا إيجاب فليس بواجب على المكلف أن يبالغ في الاستنشاق وإنما ذلك من باب الفضائل لا من باب الفرائض وعلى ذلك فمن فعل المبالغة أُجر ومن تركها فلا إثم عليه إذا كان الأنف قد استوعبه بالماء .
(1) / النور ، آية : 58.