القول الثاني : أن النية ليست بشرط فإن فعلها أكمل وأفضل وإن لم تك نية فإن غسله مجزيء وصحيح وهذا هو مذهب الحنفية وقال به بعض السلف -رحمة الله عليهم- يقولون من دخل الى بركة ماء أو إلى سيل أو في نهر أو في بحر وانغمس فيه وكانت عليه قبل جنابة أو امرأة دخلت في بركة وكانت قد انتهت وطهرت من نفاسها أو طهرت من حيضها فإنها لولم تنوي بهذا الغسل العبادة يجزيها عن غسل العبادة وهذا القول مرجوح والصحيح أنه لابد من النية والدليل قوله -تعالى-:﴿ومَا أُمِرُو إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدينَ ﴾(1) وقوله-تعالى-:﴿ فاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصَاً لَهُ الدِّينِ﴾(2) والغسل عبادة بل هو شرط في صحة العبادة وأما الدليل الثاني الذي يدل على لزوم النية فهو قوله -عليه الصلاة والسلام-:(( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ مانوى)) حيث دل هذا الحديث بمنطوقه على أن اعتبار الأعمال وثبوت صحتها مبني على النية فمن نوى العبادة صحت له العبادة ومن نوى العادة فإنها لاتجزيه عن العبادة بل لابد وأن ينويها ، وبناءً على ذلك فمن من اغتسل لعادته من نظافة أو طلب برد في شدة حر فإنه لا يجزيه غسله ذلك عن الغسل الواجب في المسألة الماضية فقهاء الحنفية ومن وافقهم يقولون لا نشترط النية لصحة الوضوء ولا لصحة الغسل ووجه ذلك أنهم يقولون إن الله- تعالى- أمر المكلفين أن يغسلوا وجوههم وأيديهم ويمسحوا برؤوسهم ويغسلوا أرجلهم وأمرهم أن يطهّروا فهذا الرجل الذي دخل في البركة وكانت عليه جنابة قد فعل ماأمر الله به كونه ينوي أو لا ينوي هذا شيء زائد عن القرآن فهذه من أدلتهم يقولون إن الله أمرنا بالوضوء والغسل ومن دخل بدون نية فقد توضأ واغتسل ، ومن الجواب عن ذلك وهو من ألطف الأجوبة لبعض الأئمة -رحمة الله- عليهم أن النبي -- صلى الله عليه وسلم --قال : (( الطهور شطر الإيمان)) والمراد بالإيمان الصلاة
(1) / البينة ، آية : 5 .
(2) / الزمر ، آية : 2 .