تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بالجمع بين المضمضة والاستنشاق فالأفضل للمتوضيء إذا توضأ أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق تأسياً برسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- ، ولاشك أن الأحاديث التي استدل بها أصحاب هذا القول أرجح وأصح ، وأما ماورد من الأحاديث الأخر فإنه يدل على الجواز لا على الكمال والأفضلية .

وأما ما قاله أصحاب القول الأول من كونه إذا فصل بين المضمضة والاستنشاق أنه أبلغ في النقاء والنظافة التي هي مقصود الشرع ، فجوابه أن النقاء والنظافة إنما تقع بحسن الإلقاء للقذر ، وحسن تحريك الماء في الفم إذا تمضمض ، فالإنسان إذا أدخل الماء الكافي إلى فمه وأنفه وطرح القذر فإن هذا يحقق مقصود الشرع ، وأما كثرة الماء وقلته فليست هي المحك ، وإنما العبرة بكونه يبالغ في إدارة الماء ويحسن الاستنثار وطرح الماء من أنفه.

وأما قولهم " إنهما عضوان منفصلان " : فإن هذا الدليل حجة لنا لاعلينا لأن كلا من الفم والأنف يعتبران تابعين للوجه ، والوجه عضو واحد وليس بأعضاء منفصلة ، ولذلك نقول إن هذا الدليل يمكن قلبه لإصحاب القول الثاني فيقال إن الوصل أولى من هذا الوجه ، فتلخص أن الأفضل والأكمل للمكلف أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة ، والسنة إذا تمضمض الإنسان واستنشق أن يبدأ بالمضمضة قبل الاستنشاق ، ومن ابتدأ بالاستنشاق قبل المضمضة فإنه يجزئه ، ولكنه قد فاته الأفضل ، وفاته الأجر الأكمل لأنه خالف هدي النبي-- صلى الله عليه وسلم -- وهو هدي كمال وليس بهدي إجزاء ، وعلى هذا فإن الأصل أن يقدم المضمضة على الاستنشاق ثم يجعل للمضمضة حظها من الماء ، ويقسم الكف الواحدة بين الأنف والفم على الصورة المعروفة المشهورة .

شرح سنن الترمذي · الصفحة ٤٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح سنن الترمذيص ٤٨٩