و أكدوا ذلك بأمرٍ ثالث : فقالوا إن مقصود الشرع أن تنظف الأنف والفم ولاشك أنك إذا فصلت بين المضمضة والاستنشاق أن ذلك أدعى لنظافة الفم ولنظافة الأنف فالماء الذي يدخله المتوضئ إلى أنفه وفمه يعتبر ماءً كافياً لنقاء الموضع أما لو أنه أجمع بينهما فإن الماء يكون قليلاً .
وإذا قل الماء قلت النظافة والنقاء ومن هنا قالوا الأفضل أن يفصل بينهما ولايصل ، أما الذين قالوا بالوصل وهو رواية عن الإمام مالك ، وكذلك قول للإمام الشافعي وقال به بعض أصحاب الإمام أحمد واختاره عدد من أئمة الحديث-رحمة الله على الجميع- فقد استدلوا بحديث عبد الله بن زيد بن عاصم-- رضي الله عنه - وعن أبيه- " وفيه أنه لما وصف وضوء النبي-- صلى الله عليه وسلم --"جمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحدة " .
وكذلك استدلوا بحديث عبد الله بن عباس في صحيح البخاري : أن النبي-- صلى الله عليه وسلم --"غرف غرفة واحدة فتمضمض واستنشق" قالوا : فهذا الحديث يدل دلالةً واضحةً على أن الوصل هو هديه -صلوات الله وسلامه عليه - ولذلك ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث باب من تمضمض واستنشق من غرفة واحدة قالوا وبذلك الأفضل والأكمل أن يجمع بينهما ، وأكدوا ذلك بأن مقصود الشرع أن لايسرف المكلف في الوضوء ، ولذلك إذا جمع بينهما حقق مقصود الشرع .
وقد ورد الذم عن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- لمن أسرف في الماء في وضوئه ، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام- أنه قال:(( يأتي في آخر الزمان أقوام يعتدون في الدعاء وفي الطهور)) ، قالوا فذم الشرع الاعتداء في الطهور ، ومن الاعتداء أن يكثر الماء فإذا كان إنقاء الفم والأنف يحصل من كف واحدة فالأفضل والأكمل لاشك أنه يجمع بينهما لأنه أقرب إلى ماهو أحسن وأكمل .