تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القول الثاني : ذهب بعض أصحاب الشافعي-رحمة الله على الجميع - إلى القول بجواز الاستجمار بالعظام إذا أحرقت وصارت رماداً ، قالوا : لأنها إذا أحرقت تغيرت من حالة العظام إلى حالة جديدة فأخذت حكم الأصل ، فالأصل أنه يجوز أن يستجمر بكل طاهر ، وأما إذا كانت على هذه الحالة وهي كونها رماداً من نار فإنها ليست بعظم ولا في حكم العظم ، ثم قالوا : يجوز الاستجمار بالعظام إذا أحرقت كما يجوز الاستجمار بجلود الميتة إذا دبغت ، ووجه ذلك أن العظم فيه شبهة النجاسة ، فقالوا إنه إذا دبغ الأديم مع كونه نجساً في الأصل لأنه آخذ حكم الميتة فإنه يطهر بالدباغ فيحكم بجواز الاستنجاء به ، قالوا كذلك العظام إذا أحرقت ، والصحيح أنه لا يجوز الاستجمار بالعظام ولو أحرقت ؛ وذلك لأمرين :

أما الأمر الأول : فعموم نهيه-صلوات الله وسلامه عليه- عن الاستجمار بها دون أن يفرق بين كونها باقية على الأصل أو مستحيلة عنه بالنار .

أما الأمر الثاني : فإن قولهم إن العظام قد تبدلت فتأخذ حكم الميتة إذا دبغ جلدها يجوز الاستجمار به ، فنقول إن الجلد إذا دبغ ينتقل من الأضعف إلى حالة هي أفضل فأصبح الوصف زائداً ، وأما العظم إذا أحرق فإنه ينتقص وصفه ، والقاعدة :" أنه إذاخالف الوصفان أنه لايمكن إلحاقهما ببعضهما ، إذا اختلف الشيئان وصفاً مؤثراً فإنه يحكم بالفارق الموجب لبطلان قياس أحدهما على الآخر" ؛ ولذلك نقول الجلد إذا دبغ انتقل من حالة النقص إلى حالة الكمال فأعطي حكم الكمال فجاز الاستجماربه ، وأما العظم إذا أحرق فإنه ينتقل من وصف الكمال- أي كونه عظماً-إلى النقص- أي كونه رماداً-فأصبح الحكم فيه بأولوية القياس ، فنقول تحريم الاستجمار به هنا أولى.

وقوله - عليه الصلاة والسلام -:(( لاتستنجوا بالعظم )): حرم الاستنجاء بالعظم لإحدى علتين :

شرح سنن الترمذي · الصفحة ٣٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح سنن الترمذيص ٣٦٩