وقوله-رحمه الله- " كراهية ما يستنجى به " : فيه دليل على أن الذي يستنجي الإنسان به ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : ما أذن الله ورسوله -- صلى الله عليه وسلم -- به ، والقسم الثاني : ما لم يؤذن به .
فالقسم الثاني هو المراد في هذا الموضع ، والشيء الذي يحرم على الإنسان أن يستجمر به : إما أن يكون نجساً ، وإما أن يكون غير مُنَقٍّ ، وإما أن تكون له حرمة كما سيأتي ؛ ولذلك قال العلماء :إن الشيء الذي يستجمر به الإنسان يجمع الثلاثة الأوصاف ، وقد جمعها بعض العلماء بعبارة جميلة فقال :"يستجمر بكل نَقيٍّ مُنَقي ، لاتتبعه نفس الملقي" فقوله كل نقي منقي" فيه إشارة إلى شرطين وهما الطهارة ، وكذلك كونه يطهر المكان ، وأما الشرط الثالث فهو قوله" لاتتبعه نفس الملقي "، وسيأتي بيان هذه الشروط بالتفصيل عند بيان جمل الحديث .
قوله- عليه الصلاة والسلام -:(( لاتستنجوا )): هذه الصيغة من صيغ النهي والقاعدة في الأصول: " أن النهي محمول على التحريم حتى يدل الدليل على ما دون ذلك" ولا دليل هنا يدل على صرف هذا الظاهر ؛ ولذلك يحرم الاستنجاء بالروث والعظام ؛ لأن النبي -- صلى الله عليه وسلم -- نهى ، والأصل في النهي أن يحمل على المنع ؛ لقوله-تعالى- :﴿ فَلْيَحَذرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيْبَهُمْ عَذَابُ أَلِيمُ ﴾(1) ، ولقوله-عليه الصلاة والسلام-: (( وإذا نهيتكم فانتهوا )) فدلّ على أنه يحرم الاستنجاء بهذين الشيئين .