أمَّا الأمر الثاني : الذي ينبغي على الإنسان أن يكون على إلمام به إذا طلب العلم : أن يعلم أن لهذا العلم فترات وهنَّاتٍ ومصاعب وأذِيَّة ، ولذلك يُؤذَى في نفسه ، ويُؤذى في زوجه وولده فمن أذيَّتِه في نفسه أن الشيطان يأتيه ويقول له: من أنت حتى تطلب العلم ؟ ومن أنت حتى تقرأ ؟ وهذا الدرس فوق علمك وفوق فهمك .. ولا حاجة أن تجلس في هذه المجالس التي لا تستطيع أن تفهم كل ما يقال فيها ، يُثبطه الشيطان بكل ما يستطيع فإن قال : أجلس ، ولو لم يكن في جلوسي إلا أن الله- تعالى-يرحمني لكفى .
ولا شكَّ أنه سيجلس المرة الأولى والثانية والثالثة حتى يأتى يومٌ من الأيام لا يخَرم من المجلس حرفاً واحداً .
وقد كُنَّا في بداية الطلب نجلس مع العلماء لا نفقهُ كثيراً مما يُقال ولا كثيراً مما يذُكر حتى رحمنا الله برحمته ، فهو الذي يُعلِّم ويُفهِّم -- سبحانه وتعالى -- فإياك أن يُخَذِّلك الشيطان في نفسك .
الأمر الثالث : أنه يُخذِّل الإنسان في أهله وولده ، فيأتيه الزوجة.. ربما تشغله بالمشاغل .. وربما يشغله الأبناء والبنات ، فينبغي أن يُخصِّص للعلم وقتاً لا ينشغل فيه بغيره ، وأن يكتحل السهر من أجله ، وأن يبذل كل ما يستطيع فإنَّ العبد إذا أرَى اللهَ من نفسه الخير والحرص في طلب العلم أراه الله حُسْن العاقبة .
ولذلك انظر إلى ما جعل الله للعلماء من الحب والكرامة والذكر الحسن والثقة ، حتى إن الناس تثق بفتاويهم وتنقلها في الآفاق وتسير بها الركبان ، قال العلماء : هذا عاجل ما جعله الله لأهل العلم فقد ضحوا في طلب العلم فأكرمهم الله بعاجل ذلك في الدنيا ، ولَمَا ينتظرهم عند الله أكبر .
وكان بعض العلماء يقول : ما تعب أحدٌ في طلب العلم إلا نزلت البركة في علمه أكثر فكُلَّما كان تعبك في طلب العلم أكثر كلما كان أجر الله لك أعظم وكُلَّما كان التوفيق لك أكثر .