تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والصحيح أنَّه لابد من النظر ، فليس كل أمر محمولاً على ظاهره سواءً كان في الجبلَّة أو غيرها لأن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- لمَّا عتقت بريرة وأصبحت مخيَّرةً بين أن تعود إلى زوجها أو تبقى حُرَّةً فاختارت أن تبقى حُرَّةً ، فحينئذٍ أمرها رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- وكلَّمها أن ترجع إلى زوجها فقالت-رضي الله عنها- أتأمُرني ..؟ قال:(( إنما أنا شافع)) فدلَّ قولُها : أتامرني ..؟ أي هل أمرك لي على سبيل الشفاعة أو على سبيل اللزوم ..؟ فقال :((إنما أنا شافع )) فدلَّ على أن أوامره قد تخرج عن ظواهر التشريع ، وقد تكلَّم الإمام الشاطبي-رحمه الله-على هذه المسألة كلاماً نفيساً في كتابه النفيس :" الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام ، وبيان تصرُّفات القاضي والإمام ".

وقوله" إن من الجفاء": الجفاء من شَيْن الطباع ، فالإنسان الذي فيه جفاءٌ يكون غليظ القول سيىء الفعل وسىء المعاشرة للناس وهذا من أشنع مايكون من الإنسان لأنه ينفر الناس عنه ، والأصل في المسلم أن يكون ودوداً قريباً تأسياً بالنبي-- صلى الله عليه وسلم -- ، ولذلك امتنَّ الله على نبيه بصرف الجفاء عنه فقال-- سبحانه وتعالى --:﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾(1) فلذلك يقول-- رضي الله عنه --:"إن من الجفاء أن يبول الرجل قائماً ".

وهذا اللفظ من هذا الصحابي الجليل إن كان محمولاً على ظاهره فإنه يُجاب عنه بأن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- إذا كان بوله قائماً على سبيل التشريع فيُعتذر لعبدالله بن مسعود-- رضي الله عنه - -أنَّه لم يطَّلع على فعله-عليه الصلاة والسلام- ، وقد كانت السُّننُ رُبَّما خفيت على بعض أصحابه-رضي الله عنهم أجمعين- ، وبناءً على ذلك يُعتبر الأصل أنه يجوز أن يبول الإنسان قائماً وليس ذلك من الجفاء على الإطلاق كما ورد في هذا الأثر .

شرح سنن الترمذي · الصفحة ٣٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح سنن الترمذيص ٣٠٨