ومن هنا ينبغى التنبيه على أنَّ أصحاب النبي -- صلى الله عليه وسلم -- يُطلقون بعض العبارات ولا يُقصد منها حقيقتها وظاهرُها بقصد التعنيف والتكذيب ، ومن ذلك قول عبدِالله بن عُمرَ في الصحيحين : "بيداؤكم هذه التى تكذبون على رسول الله -- صلى الله عليه وسلم --"فليس مراده الكذب الحقيقىَّ كما قرَّر العلماءُ والأجلاَّء-رحمهم الله- ، وإنَّما مرادُه أنهم أخبروا بخلاف الواقع لا بقصد الكذب ؛ وإنمَّا شنع عليهم القول حتى نزَّلهم منزلة الكذَّاب حتىَّ يتركوا ذلك القول ، ومنه قول عبدالله ابن عباسٍ-- رضي الله عنه --في الرَّمَل لمَّا قالوا إنَّه سُنَّة قال :صدقوا وكذبوا .
فمثل هذه العبارات كما ذكر العلماءُ لا يُقصدُ منها نسبة الإنسان إلى الكذب على رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- وإنمَّا المراد الإخبار بالنفي حتىَّ كأنَّ هذا الشيء ينبغى هجرُه كما يُهجَر الكذب .
وقولها"فلا تُصدِّقوه ": يدلُ دلالةً واضحةً على أن النبي-- صلى الله عليه وسلم --ما كان يبول إلا قاعداً ، ومن هنا قالت-رضي الله عنها وأرضاها-:" ما كان يبول إلاَّ قاعداً ".
هذا الحديث فيه إشكالاتٌ عند العلماء -رحمهم الله-ولذلك عارَضه حديثُ حُذيفة بن اليمان- - رضي الله عنه - وسيأتى-، ومن هنا للعلماء-رحمهم الله-في الجمع بين حديثِ أمِّ المؤمنين هذا وحديثِ حُذيفة-رضي الله عن الجميع-وجوه:
الوجه الأول: فمنهم من يقول أُقدَّمُ حديث أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها وأرضاها- وأعتذر عن حديث حُذيفة-- رضي الله عنه - وأرضاه- فاعتذروا عن حديث حذيفة بقولهم : إنَّ النبي -- صلى الله عليه وسلم -- إنَّما بال قائماً لمكان الحاجة والضرورة فكأنَّ أم المؤمنين -رضي الله عنها- ألغت هذه الحاجة والضرورة وتحدَّثت عن الأصل أنَّه في الأصل لا يبول إلا قاعداً وكونُه يبول قائماً من حاجةٍ وضرورةٍ لا إشكال فيه .
واختلفوا في هذه الحاجة والضرورة :