تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقاعدة في الأصول :" أن القول إذا تعارض مع الفعل أنَّ القول مُقدَّم على الفعل" وهذا لا يُعتبر من ردِّ السُّنة كما يسىء البعض فهمه ولكنه من باب تقديم الأقوى ، وذلك أنَّه تعارض معنا حديثان صحيحان عن رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- حديثٌ خاطبنا فيه وشَرَّع فيه للأمة كلها ، وحديثٌ فعله -صلوات الله وسلامه عليه- في الخفاء ولم يطلِّع عليه إلا أفراد الناس فهل يُعقل أن هذا الذى صُرِّح به علانيةً أمام الناس يُعتبر منسوخاً بهذا الوجه الخفي ..؟ فهذا محل نظر ، ولذلك الفقه أن ننظر إلى قوة الأدلة ، فلمَّا وجدناه- عليه الصلاة والسلام-يُخَصُّ من ربه بالخصوصيات فهمنا أن دلالة القول أقوى لأنها خطاب لنا وتشريع لنا.

وقوله-- سبحانه وتعالى --:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾(1) عندنا أسوتان : أُسْوةٌ لا تحتمل إلاَّ معنىً واحداً وهو التحريم ، وأسوة مترددة بين الخصوصية وبين الجواز فقدَّمنا الائتساء بالتحريم ؛ لأنه أقوى وأولى لمكان الخطاب للأمة ، وهذا هو الفقه إذا تعارضت النصوص : أن يُنظر بأقواها وأولاها بالاعتبار فيُقَّدم .

ومن هنا أصبح حديث أبي أيوب الأنصاري والذى يدل على تحريم الاستقبال والاستدبار مُقدَّماً على حديث ابن عمر ، أضف إلى أن حديث ابن عمر يحتمل أن يكون قبل التحريم ويحتمل أن يكون بعد التحريم فلا ندري أوقع هذا الفعل من رسول الله -- صلى الله عليه وسلم --قبل التحريم أو بعده ..؟

وجاء حديث جابر بن عبدالله -ولكنَّه أضعف سنداً- يدلُّ على أن الفعل وقع بعدُ فتوقَّفْنا في حديث ابن عمر لمكان التردُّد ، وأمَّا حديث جابرفقدَّمنا ما هو أصح وأثبت منه وهو حديث أبي أيوب الثابت الصحيح .

وكلٌّ من حديث جابر وحديث ابن عمر كلُّها دلالة أفعال لا تقوى على دلالة الأقوال .

(1) / الأحزاب ، آية : 21 .

شرح سنن الترمذي · الصفحة ٢٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح سنن الترمذيص ٢٨٧