أما الرؤية المقصودة فهى أن يتعمَّد جابر- - رضي الله عنه -وأرضاه- رؤية شخص النبي-- صلى الله عليه وسلم --وهو يقضي حاجته ، وهذا معنىً مرجوح.
والوجه الثانى : أن يكون غير مقصود بأن رآه اتفاقاً دون قصدٍ منه -- رضي الله عنه - وأرضاه- كما وقع من عبدالله بن عمر -- رضي الله عنه -وأرضاه- ولذلك جاء التعبير في بعض الروايات أن اللبنتين كانتا إلى جهة القبلة ، وهذا لا يستلزم الرؤية أثناء قضائه -صلوات الله وسلامه عليه- لحاجته .
وقوله :"فرأيته قبل أن يُقبض بعامٍ يستقبلها": بمعنى أنه يستقبل القبلة حال بوله.
هذا الحديث حجَّةٌ لطوائف من العلماء :
الطائفة الأولى : تقول : هذا الحديث دليلٌ على النسخ ، وهم أصحاب داود الظاهري وهو مذهب ربيعة الرأى والليث بن سعد- رحمة الله على الجميع- ، يقولون : إنَّ هذا الحديث يدل على نسخ تحريم استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة .
الطائفة الثانية : تستدل بهذا الحديث على تحريم الاستقبال وحده دون الاستدبار ، وذلك لأن النص الصريح في الاستقبال دون الاستدبار .
الطائفة الثالثة : تستدل به على جواز الاستقبال والاستدبار ؛ ولكن بشرط أن يكون ذلك في العمران دون الخلاء والعراء ، وهذا هو مذهب جمهور المذاهب الأربعة كما ذكرنا .
فيقولون : إن جابراً -- رضي الله عنه -وأرضاه- رآه يقضى حاجته في الكنيف وهذا القول محل نظر ؛ وذلك لأن رواية جابر جاءت على الإطلاق ، بل لو قال قائلٌ إنها في الخلاء لكان قوله أقوى من القول بأنها في البنيان ، وذلك لأن رؤيته على هذه الحالة في الخلاء أقوى من أن تكون في البنيان ، ومن هنا يضعف مذهب الجمهور الذين يقولون بجواز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون العراء .
وقد تقدَّم بسط الكلام على هذه المسألة ، وبيان أدِلَّة العلماء والراجح من أقوالهم ، والجواب على الأدلة المُعَارِضة(1).
(1) /راجع الدرس الثامن.