فأول ما أوصى به طالب العلم : أن يتوكَّل على الحي الذى لا يموت وأن يُسبِّح بحمده ، ولذلك كان من دعائه -عليه الصلاة والسلام- :(( ياحيُّ يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كُلَّه ، ولا تِكلْنى إلى نفسى طرْفة عين)) فلا تعتمد على ذكائك ولا على حفظك ولا على فهمك ولا على ضبطك ؛ ولكن توكَّلْ على الله وقُلْ حسبى الله ونعم الوكيل .
أمَّا الأمر الثانى : فأوصيك أخي أن ترفق بنفسك من الأمور التى يُوصى بها طُلاَّب العلم أيَّام الاختبارات أن يراعوا الحدود الشرعية والحقوق التى أوجب الله فلا يجوز لطالب العلم أن يُعرِّضَ نفسَه للهلاك بالسهر والتعب والنصب إلى ساعات متأخرة تذهب فيها من الجسد قُوَّتُه ويتعرَّضُ لأمور لا تحمدُ عُقباها .
واذكر حديث رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- كما في الصحيح :(( إن لنفسك عليك حقَّاً)) حينما قالها سلمانُ لأخيه أبي الدرداء فقال -- صلى الله عليه وسلم -- :((صدق سلمان)) فلنفسك عليك حقِّاً فأعطِها حقَّها أعطها حقها من الراحة والاستجمام .
وكذلك أيضاً أُوصي طالب العلم أن يتنَّبه إلى أن النَّاس لا تنتظر منه :" ممتاز" ولا تنتظر منه أن يكون من العشرة الأوائل ولا من المتقدمين ولكن تنتظرُ منه أمرين :
الأمر الأول : دينُه واستقامته وما ينطوى عليه من الخُلُق والأدب الذى يُترجمُ به إسلامه واستقامته فإذا استقام قلبُه استقامت جوارحُه بالأدب ومُراعاة الحُرْمة فإذا وفَّقك اللَّهُ للدين والاستقامة فأنت المُقَدَّمُ ولو كُنت آخر القوم.
والأمر الثاني : علمُك وضبطُك فلو جئت في آخر النتائج وأنت ضابطٌ لما تقول عالمٌ بما تقول فأنت مُقَدَّمٌ وسيرفعك اللَّهُ ولو بعد حين فعلى الإنسان ألا يجعل الدنيا أكبر همِّه ولا مبلغ علمه ؛ ولكن عليه أن يتحرَّى الديانة والاستقامة وترجمة هذ الدين بالعمل ثُمَّ بعد ذلك ضبط العلم ما استطاع إلى ذلك سبيلا .