واستدلَّ أصحابُ هذا القول بحديث عبدالله بن عُمر-رضي الله عنهما- الثابتِ في الصحيحين : " رقيُت على بيت حفصة فرأيتُ النبي-- صلى الله عليه وسلم -- يقضى حاجته على لبنتَين مُستقبل الشام مستدبر الكعبة "ووجه الدلالة من هذاالحديث أنَّهم قالوا إنَّه إذاقضى حاجته داخل البنيان استتر ، وأمَّا إذا قضى حاجته في العراء والخلاء فإنَّه يستقبل بعورته المُصلِّى ، وحينئذٍ يكون الأمرُ أشدَّ ، ومن ثَمَّ قالوا بالجواز في البنيان دون الصحراء.
وهذا القول محلُّ نظر ، وذلك أنَّ حديث ابن عمر-رضي الله عنهما وأرضاهما- لو كان مرادُ النبيَّ-- صلى الله عليه وسلم -- به التشريع للأُمةَ لمَا كان يفعل هذا بطريقةٍ لا يطلع عليها إلاخاصُّ أصحابه في حالةٍ بدون قصد ، وذلك أنَّ ابن عمر رقى بيت حفصة ولم يقصد الاطلاع على رسول الله-- صلى الله عليه وسلم -- فلوكان فعله -عليه الصلاة والسلام- على سبيل التشريع لكان يُصرِّح -صلوات الله وسلامه عليه- بالاستثناء ، ومن هُنا قوى مسلكُ من يقول إنَّ النبيَّ-- صلى الله عليه وسلم -- له خُصوصية في الاستقبال والاستدبار ، فلاحرج عليه أن يستقبل أويستدبر ، وأمَّا ما عداه من سائر الأمَّة فباقٍ على الأصل الذى دلَّ عليه حديثُ أبي أيوب وأبي هريرة -رضي اللهُ عن الجميع- .
أمَّا القول الرابع في هذه المسألة : فإنَّه يقول : يجوز الاستدبارُ داخل البنيان دون الاستقبال وبهذا القول قال القاضى أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة -رحمة الله على الجميع -.
يقول يجوز الاستدبار ؛ لأنَّ حديث عبدالله بن عُمر اشتمل على جواز الاستدبار داخل البنيان دون الاستقبال ، فنخُصُّه من عموم النَّهى ونقول بجواز الاستدبار دون الاستقبال ؛ ولأنَّ الاستدبارَ أهونُ من الاستقبال فمن هُنا خصَّصوا عموم حديث أبي أيوب بحديث عبدالله بن عُمر-رضي الله عنهما وأرضاهما- .