أمَّا الوجه الثاني فإنَّ باقي الأحاديث التى احتجَّ بها أصحابُ هذا القول لم تخلُ من مقالٍ إلا أنَّ حديث جابر بن عبدالله -- رضي الله عنه - وأرضاه- قد حسَّن بعضُ العلماء إسنادَه وحينئذٍ يكون مُعارِضاً من جهة الثبوت لكن ثبوته دون ثبوت حديث أبي أيوب الذي في الصحيحين ، والقاعدة في الأصول ومصطلح الحديث : " أنَّه إذا تعارض ما في الصحيحين ، أو تعارَض الصحيح مع الحسن فإنَّه يُقدَّم ما في الصحيحين ، ويُقدَّمُ الصحيحُ على الحسن"كما قال صاحبُ الطلعة عند ذكره للحديث الحسن :
وَهُوَ في الْحُجَّةِ كَالصَّحِيْحِ وَدُوْنَهُ ‘إنْ صِيرَ للتَّرْجِيْحِ
لأَنَّ هَذَا قَصُرَتْ رِجَالُهُ في الحْفْظِ دُوْنَ مُنْكَرٍ يَنَالُهُ
فالحديث الحسن لا يقوى على معارضة الحديث الصحيح ، إضافةً إلى أنَّ حديث جابر بن عبدالله-- رضي الله عنه - وأرضاه- على القول بثبوته فإنَّه دلالة فعلٍ لا تقوى على دلالة القول .
القول الثالث في المسألة : أنَّه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء ، وبهذا القول قال عبدُالله بنُ عمر وكذلك عبدُالله بنُ عبَّاسٍ ، والعبَّاسُ بنُ عبدِ المطَّلب ، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة -رحمة الله على الجميع-.
يقولون : إنَّه يجوز للمسلم أن يستقبل القبلة أو يستدبرها إذا كان في البنيان ، أمَّا إذا كان في الصحراء والخلاء فإنَّه لا يجوزُ له ذلك إلاَّ إذا وضع حائلاً بينه وبين القبلة ، وهذا القول يُنسب للجمهور ، أي عند المتأخرين و ليس المقصودُ بالجمهور جمهورَ الصحابة والتابعين ؛ لأنَّ الأئمة -رحمة الله عليهم- يقولون : إنَّ القول الأوَّل هو مذهب جمهور أصحاب النبي -- صلى الله عليه وسلم -- وهكذا التابعين .
وأمّا هذا القول الثالث فإنَّه يُنسب للجمهور ؛ ولكنَّ نسبة الفقهاء لهذا القول للجمهور مُرادهمُ الجمهور من الأئمة الأربعة لا جمهورَ أصحاب النبي-- صلى الله عليه وسلم -- والتابعين .