أما لو كان محتسباً وتطوع بالإمامة فإن عليه أن يقيم هذه الإمامة على وجهها وهذا ما يسميه العلماء في القديم بالإمام الراتب ؛ لأن الأئمة في القديم كانوا لا يأخذون على إمامتهم شيئاً وكانوا يتطوعون بالإمامة احتساباً للأجر والثواب عند الله -- سبحانه وتعالى -- ، فإذا كان إماماً غير ملزم وليس بمكلف تكليفاً واجباً فإنه لا ينبغي أن يستخلف أحداً مكانه إلا من حاجة ؛ لأن الله-- سبحانه وتعالى -- وهبه هذا الثغر الذي فيه الأجر والمثوبة فلا ينبغي له أن يؤثر به غيره ولا ينبغي له أن يفرَّط في هذه الإمامة ، حتى حُكي عن السلف-رحمهم الله- وبعض الأئمة من أهل الفضل من الخلف حكيت عنهم حكايات عجيبة فلربما مرَّ على الرجل ثلاثين سنة لم يتخلف عن إمامته إلا من عذر ، ومنهم من تمر عليه السنوات المتتابعة لا يمكن أن يفرَّط حتى ولو كان مريضاً وهذا لا شك أنه من كمال الإيمان ؛ لأن الإمام إذا أدرك ما له عند الله من المثوبة وأنه يتاجر مع الله-سبحانه- حرص على وقت الإمامة ، وحرص كذلك على أدائها والقيام بحقوقها ، ولا يمكن أن يؤثر غيره كائناً من كان على أن يتقدم ويصلي بالناس مكانه ، هذا هو شأن الفضلاء والذين عرفوا نعمة الله- - سبحانه وتعالى -- فوفَّوا لله كما وفى الله لهم فالواجب على الأئمة أن يحفظوا فضل الله-- عز وجل -- عليهم ، كان بعض العلماء يقول : من أراد أن ينظر إلى فضل الإمامة فلينظر إلى الأمة يوم الجمعة وهي تنصت لخطيب واحد أخرس الله المتكلمين لكلامه وأمر الأسماع أن تصغي لبيانه ومواعظه ، وهذا يدل على فضل الإمامة إذا كان لها هذا الفضل فلا ينبغي للمسلم أن يؤثر غيره به ولا أن يقدمه بدلاً عنه ؛ لأنه لا إيثار في القرب ، وكان بعض العلماء من مشائخنا -رحمة الله عليهم- يقول :"أخشى على من فضَّله الله بالإمامة فتساهل في ذلك وقدَّم غيره من دون حاجة أن يسلبه الله هذه النعمة" فعلى الإنسان أن يحمد نعمة الله-- عز وجل --وعلى
شرح سنن الترمذي · الصفحة ١٨٩٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح سنن الترمذيص ١٨٩٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي