ومن أعظم الأسباب التي ذكرها العلماء التي تحول بين العبد والخير وتثبط نية الإنسان وعزيمته عن الخير أن يصرف قلبه عن الله-- عز وجل -- ، طالب العلم في بداية طلبه للعلم قد يخلص لوجه الله ويريد ما عند الله ، فإذا رأى أنه قد علم ، أو رأى أنظار الناس قد اتجهت إليه ، أو جلس في مجلس فسئل عن مسألة فأجاب ، أو سئل عن نازلة فأحسن الكلام والخطاب ربما دخله الغرور ، فإذا دخله الغرور نزعت البركة من علمه وصرف إلى ذكائه وحوله وقوته وفهمه وضبطه فوكله الله إلى نفسه ، ومن وكله الله إلى نفسه ، زلت قدمه وعظمت خيبته ، العبد في كل خير وفى كل رحمة ما كان مع الله-- جل جلاله -- فإن رأى خيراً حمد الله وقال:﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ﴾(1) ، وإن رأى غير ذلك قال أنا المقصر وأنا المذنب وأنا المسئ ، فأخذ يلوم نفسه حتى يكمل الله ما كان من نقصه ، أهم شىء يوصى به طالب العلم لدفع السآمة والملل ، الإخلاص لوجه الله ، ولن تستطيع أن ترى طالب علم مخلص على أتم الوجوه إلا إذا جعل الآخرة نصب عينيه ، ومن جعل الآخرة نصب عينيه والله لا يسام ، ولا يكل من طاعة الله -- جل جلاله -- هذا هو الذي جعل السلف الصالح تسهر عيونهم وتنتصب في جوف الليل أقدامهم وتباع في سبيل الله رخيصة أرواحهم كل هذا بسبب ذكر الأخرة ، لأن المخلص دائم يذكر الآخرة ، المخلص دائم الإخلاص يجعل الآخرة نصب عينيه . فلا يمكن أن تدخل عليه السآمة والملل ، تراه إن كان طالب علم يسهر ليله ويكدح نهاره لعلمه أن الله يرضى عن سهره ، وأن الله يرضى عن كدحه ، وأن هذا السهر وهذا التعب يخط في صحائف عمله ، يخطها ملائك لا يغشون ولا يكذبون ، لكي يراها بين عينيه: في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم طالب العلم دائماً يجعل الآخرة نصب عينيه ومن جعل الآخرة نصب عينيه لا يكل ولا يسأم ولايمل من كلمة تقرب إلى الله-- جل جلاله -- ، وعندهم شعور أن
(1) / هود ، آية :88 .