أما المسألة الأولى: وهي نجاسة الدم ، فالدم من حيث الأصل نجس في قول جماهير السلف والخلف -رحمهم الله- ، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ، وطائفة من أهل الظاهر ، وأهل الحديث ، -رحمة الله على الجميع- ، أن الدم يعتبر نجساً من حيث الأصل وهو القول الأول .
وأما بالنسبة للقول الثاني فإنهم يقولون إن الدم طاهر إلا دم الحيض فإنه يعتبر نجساً .
واستدل جمهور العلماء على أن الدم نجس بقول الله -- سبحانه وتعالى --:﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾(1) وقول الحق-- سبحانه وتعالى -- :﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ﴾ عائد إلى ما تقدم ، ومنه الدم ، حيث ذكر الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير ، فإن الميتة ولحم الخنزير بالإجماع كل منهما نجس وقد قرن بهم الدم وأعاد الضمير إلى الجميع فقال -سبحانه-:﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ وهذا يدل على نجاسة الكل .
والدليل الثاني : أن النبي-- صلى الله عليه وسلم -- أمر من وجد ما ينقض وضوءه من الريح أن يخرج من المسجد وأن يضع يده على أنفه كأنه أصابه الرعاف ، وهذا فيه إشارة إلى أن الرعاف نجس ؛ لأنه لا يخرج المكلف بعد الأذان من المسجد إلا من حاجة ، فإذا أشار إلى أنه رعف وإن كان في الحقيقة محدثاً كأن الناس ترى في الظاهر أنه قد تلبس بحدث أو تلبس بخبث ، فإذا وضع يده في أنفه ستر نفسه عن الحدث وأشار إلى الظاهر من الخبث ، وبناءً على هذا كأنه يشير إلى أنه ينبغي غسل دم الرعاف ، وإذا كان ينبغي غسل دم الرعاف فإن معنى ذلك أنه نجس .
واستدل أصحاب القول الثاني بأدلة :
أولها : أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يدل الدليل على نجاستها ولا يرون دليلاً صحيحاً يدل على نجاسةالدم.
(1) / الأنعام ، آية : 145 .