فقال- عليه الصلاة والسلام-:(( أين كنت؟ )) : سؤال واستفهام من رسول الله- - صلى الله عليه وسلم -- وقوله :(( أين كنت؟ )) فيه دليل على مشروعية السؤال عند الريب والشك أو وجود الشيء المخالف للمعهود والمألوف ، فالمعهود والمألوف من الإنسان إذا لقي صاحبه أن يُقبل عليه ولا يفر عنه والفرار عنه لابد من وجود سبب يقتضيه ، ولذلك استفهم النبي-- صلى الله عليه وسلم --واستعلم أبا هريرة عن الشأن والحال فقال -- رضي الله عنه - وأرضاه- "إني كنت جنباً فكرهت أن أجالسك" فقوله "إني كنت جنباً" أي كانت عليَّ الجنابة فكرهت أن أجالسك أي وأنا جنب .
فقال-- صلى الله عليه وسلم -- : (( إن المؤمن لا ينجس)) في هذه الجملة فوائد :
الفائدة الأولى : تصحيح الخطأ وبيان الصواب في الأمور وأنه ينبغي للأعلم أن يبين لمن هو دونه وجه الصواب إذا كان الإنسان مخطئاً فيما ذهب إليه ، وقد فعل ذلك رسول الله -- صلى الله عليه وسلم --مع الصحابة وشرَّعه للأمة لبيان الحق وإبطال الباطل .
الفائدة الثانية : أن قوله : (( إن المؤمن لا ينجس)) فيه دليل أن المسلم الأصل فيه الطهارة فأخذ العلماء من هذا دليلاً على طهارة الدموع ، وعلى طهارة العرق ، وعلى طهارة اللعاب ، وعلى طهارة المخاط ، وعلى طهارة ما يخرج من الإذن من صمغها ، وعلى طهارة فضلات البدن الأخر إلا ماقام الدليل على نجاسته ؛ وذلك لأنها مستحلبة من طاهر والمستحلب من الطاهر طاهر حتى يدل الدليل على نجاسته كالبول والغائط والدم ، وبناءً على ذلك قالوا الأصل فيما أفضله الإنسان أنه طاهر حتى يدل الدليل على نجاسته ، ومن هنا قال بعض العلماء : القيح والصديد كل منهما طاهر ؛ لأن النبي -- صلى الله عليه وسلم -- قال : (( إن المؤمن لا ينجس)) فإذا كان الجسد طاهراً ففضلته طاهرة.