القول الأول : أنه يستحب الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام فمن جامع أهله وأصابته الجنابة فإنه يتوضأ ويغسل ذكره ثم ينام ؛ لأن النبي-- صلى الله عليه وسلم --قال : (( توضأ واغسل ذكرك ثم نم )) وقالوا إن هذا الأمر للاستحباب لا للحتم والإيجاب وأكدوا ذلك بدليل قوله-- سبحانه وتعالى -- : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾(1) فأمرنا الله -- عز وجل --بالوضوء للصلاة ، والنوم-أعني نوم الجنب- ليس بصلاة ولا في حكم الصلاة فلا يجب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام وقد جاء عن النبي-- صلى الله عليه وسلم --أنه قال : (( إنما أمرت بالوضوء عند القيام للصلاة )) فدل على أنه لا يجب الوضوء على الجنب إذا أراد أن ينام وعليه الجنابة .
القول الثاني : وذهب داود الظاهري-رحمه الله تعالى-إلى القول بالوجوب وأن الجنب لا يجوز له أن ينام حتى يتوضأ وضوء الصلاة كاملة واحتج بالحديث الذي ثبت في الصحيحين عن عمر ، وقد تقدمت الإشارة إليه قال -رحمه الله-.
وقوله : (( توضأ و اغسل ذكرك ثم نم )) : يعتبر أمراً والأمر للوجوب وعلى ذلك يجب على الجنب أن يتوضأ قبل أن ينام والصحيح ماذهب إليه جمهور العلماء -رحمهم الله-:
أولاً: لصحة دلالة الكتاب بخصوص الأمر بالوضوء عند القيام للصلاة وهو الأصل والنوم ليس بصلاة ولا في حكم الصلاة .
أما الأمر الثاني: فإن النبي-- صلى الله عليه وسلم --نام ولم يمس الماء كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة الذي معنا وقد مال الدارقطني والبيهقي وغيرهما من الأئمة إلى القول بالتصحيح ولا وجه لتغليط هذا الإمام الثقه والقول بالاختصار لا يخلو من نظر ؛ لأن الأحاديث صحيحة عن أم المؤمنين مختصرة وعلى هذا كما قبلنا المختصر من غير هذا الحديث يجب قبول هذا المختصر وعليه فإن هذا الحديث يعتبر دليلاً قوياً على صرف الأمر من ظاهره المقتضي للوجوب إلى الندب والاستحباب .