فقال -- رضي الله عنه --:" إنما كان الماء من الماء رخصة ": والرخصة مأخوذة من قولهم رخص الشيء إذا نزل سعره وكان يسيراً والرخص الشرعية : إستباحة المحظور ، والمراد بذلك أن يكون هناك حكم وتكون في الحكم عزيمة ثم يأتي التخفيف من الشرع والتيسير فيقال : رخَّص الشرع في كذا وكذا أي بعد أن كان محظوراً ، وقد كان في أول الإسلام إذا جامع ولم ينزل لا يجب عليه الغسل وهذا تخفيف ثم نسخ بما هو أثقل ، ولذلك يعتبر علماء الأصول -رحمهم الله- هذا النوع من الرخصة يعتبرونه نوعاً من النسخ بالأثقل .
والنسخ يأتي على ثلاث صور:
الصورة الأولى : نسخ الحكم بما يساوي .
والصورة الثانية: نسخ الحكم بما هو أخف منه .
والصورة الثالثة:نسخ الحكم بما هو أثقل منه .
وهذا الحديث يدل على نسخ الحكم بما هو أثقل منه وهذا النوع من النسخ قليل الشواهد قليل الأمثلة ؛ ولكن مسألتنا تعتبر مثالاً عليه .
وتوضيح ذلك: أن التيسير أن لا يطلب المسلم بالغسل بعد الجماع إذا لم يقع فيه الإنزال ، فلما أُمر المسلم بالغسل سواء اً أنزل أو لم ينزل كانت عزيمة وكان ذلك أثقل من الحكم الأول .
وقوله-رحمه الله-" في أول الإسلام ": فيه دليل على ماكان عليه أصحاب النبي-- صلى الله عليه وسلم --من رعاية المتأخر والعمل بالمتأخر من النصوص وأعتباره ناسخاً لماّ تقدم مخالفاً له ، ولذلك قيل كان أصحاب النبي-- صلى الله عليه وسلم -- يأخذون بالأحدث فالأحدث من هدي رسول الله -- صلى الله عليه وسلم -- كما في الصحيح في قصة المسح على الخفين.
وقوله -عليه الصلاة والسلام- : (( إنما الماء من الماء)) فيه مسائل:
المسألة الأولى: دل الحديث على أن الغسل يجب بخروج المني ، والمني : هو الماء الثخين الأبيض بالنسبة للرجال ، الأصفر الرقيق بالنسبة للنساء ، ويتميز برائحةٍ وصفها العلماء بطلع النخل أو رائحة العجين .